اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ حزيران ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
لم يعد تبرير انسحاب الشركات من الإدراج في اللحظات الأخيرة تحت أي حجة، رغم الإعلان عن اكتمال سجل بناء الأوامر، مقنعاً للمراقب الحصيف؛ هذا التراجع المتكرر يكشف عن ثغرات في منهجية عمليات الطرح تتمثل في غياب الشفافية الكافية، مما يضع المكتتب الفرد والسوق المالية في موقف حرج أمام مسارات استثمارية يغيب عنها الوضوح ومشكلة تضارب المصالح الهيكلي؛ فحين يتقمص المستشار المالي دور المقيم ومتعهد التغطية في وقت واحد، ويسعى ربما لرفع سقف التقييم بنسب متكررة لتعظيم عمولاته وضمان نجاح العملية بأي ثمن، متجاهلاً أن نسب التغطية العالية ليست بالضرورة دليلاً على متانة الشركة، بل هي ثمرة حملات تسويقية تمهد لاستخدم أموال المكتتبين لرفع سعر لا يسنده أداء حقيقي على أرض الواقع.
فخلف واجهة التغطية المكتملة، قد تخفى حقائق جوهرية، إذ لا تكتفي بعض المؤسسات بتقديم تقييمات قائمة على توقعات نمو مبالغ فيها، بل تمارس ما يشبه 'التغطية الصورية'؛ حيث تبنى سجلات الأوامر على وعود ورقية تفتقر لأي غطاء مالي فعلي؛ إن إلزام هذه المؤسسات بإيداع السيولة أو تقديم ضمانات مالية كشرط لجدية التعهد، يجب أن يكون التزاماً حقيقياً لا مجرد إجراء إداري روتيني؛ فالسماح بالمشاركة دون إيداع حقيقي يخلق 'فقاعة طلب' وهمية، تخدع المكتتب الفرد العادي والذي يقرأ نسب تغطية فلكية فيندفع بمدخراته، ظناً منه أن السوق يمتلك قناعة حقيقية بسعر السهم، بينما الواقع قد يكون خلاف ذلك؛ إن التعامل مع تغطية لا تستند إلى ملاءة مالية فعلية يمثل ثغرة مهنية، تحول المكتتب إلى حلقة ضعيفة في عملية طرح تفتقد للموثوقية، ويضع المكتتب في مواجهة مخاطر جسيمة، بينما يكتفي المتعهد بتحصيل رسومه تاركاً خلفه اكتتاب يفتقد للكفاءة، وبالتالي تداولاً مشوهاً في السوق المالي.
إننا أمام أزمة تستوجب إقرار مسؤولية قانونية مباشرة عن ربما أي مبالغة في التقييم أو إخفاء لمعلومات جوهرية، متى ترتب على ذلك تضليل المستثمرين أو الإضرار باستقرار السوق؛ ولإيقاف هذا الاستنزاف، لا بد من فرض فصل قطعي يمنع الجمع بين أدوار المستشار والمتعهد، واعتماد مستشار مستقل لمراجعة التقييمات حصراً، بما يتماشى مع الممارسات العالمية المعتبرة التي تضع الاستقلالية كحجر زاوية في عمليات الطرح؛ كما يتعين ربط جزء كبير من أتعاب المستشارين بما يمكن تسميته بـ 'ضمانة أداء'، لا تصرف إلا بعد استقرار سعر السهم وسلامة أداء الشركة لفترة كافية بعد التداول؛ إن حماية المكتتب الفرد تقتضي الانتقال من الوعود التنظيمية إلى المساءلة المباشرة، بما يعيد الاعتبار لثقة المستثمر الفرد ويحفظ نزاهة السوق؛ ويجب أن يحمل المتسبب في التقييم الزائف تبعات خطئه، وتتحول العلاقة بين المستشار والمكتتب من علاقة تسويقية عابرة إلى علاقة تعاقدية قائمة على المسؤولية المهنية والتقصيرية معاً، لضمان ألا يكون سعر الإدراج يحتمل أي تضليل، بل معياراً عادلاً للقيمة.










































