اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - تظهر بين حين وآخر في المشهد العام حالة تستحق التوقف عندها، حين يغادر مسؤول سابق موقعه، ثم يعود إلى الجمهور بخطاب شديد القسوة على الدولة ومؤسساتها وسياساتها، وكأن السنوات التي أمضاها داخل دائرة القرار لم تكن جزءاً من المسيرة التي ينتقدها اليوم. النقد حق، بل ضرورة في أي دولة تريد تطوير نفسها، لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول النقد من مراجعة مسؤولة إلى محاولة لإعادة تقديم الذات سياسياً عبر هدم كل ما يجري بعد مغادرة المنصب.
المسؤول السابق يمتلك حقاً كاملاً في الاختلاف مع الحكومة، بل إن خبرته تمنحه قدرة أكبر من غيره على تشخيص مواطن الخلل واقتراح الحلول. ومن المفيد للدولة أن تسمع أصوات من خدموا في مواقع متقدمة ويعرفون كيف تصنع القرارات وأين تتعطل. لكن قيمة هذا الصوت ترتفع عندما يكون نقده متوازناً، يعترف بما تحقق كما يشير إلى ما أخفق، ويقدم البديل بدلاً من الاكتفاء بإعلان أن كل شيء يسير في الاتجاه الخاطئ.
أما أن يصبح الخروج من المنصب نقطة تحول مفاجئة في رؤية المسؤول للدولة، فهذه مسألة مختلفة. فالمواطن من حقه أن يتساءل عندما يسمع مسؤولاً سابقاً ينتقد اليوم سياسات أو آليات أو مؤسسات كان بالأمس جزءاً منها: هل اكتشف الخلل بعد مغادرته فقط؟ وهل قال الكلام نفسه عندما كان يمتلك القدرة على تغييره؟ وما الذي اقترحه حين كان القرار في يده؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى إسكات أحد. على العكس، هي جزء من حق الرأي العام في تقييم صدقية الخطاب العام. فالمسؤولية لا تنتهي بخروج صاحبها من المكتب، والتاريخ الإداري والسياسي لا يمحى بتغيير الموقع. ومن يريد أن يقدم نفسه اليوم باعتباره صاحب رؤية إصلاحية، من الطبيعي أن يُسأل عما فعله بهذه الرؤية عندما كان يمتلك أدوات التنفيذ.
والأخطر أن تتحول الدولة نفسها إلى هدف سهل في معركة العودة إلى المشهد. هناك فرق جوهري بين نقد حكومة ونقد الدولة، وبين الاعتراض على قرار والطعن في المؤسسات، وبين القول إن مشروعاً لم ينجح والقول إن شيئاً لم يتحقق. الخلط بين هذه المستويات لا يصنع معارضة مسؤولة، بل يربك النقاش العام ويحول الخلاف السياسي أو الإداري إلى خصومة مع الصورة الكلية للدولة.
الأردن ليس حكومة واحدة، ولا وزيراً واحداً، ولا مرحلة سياسية واحدة. الحكومات تأتي وتغادر، والمسؤولون يتبدلون، أما الدولة فمسار تراكمي شارك في بنائه من هم في مواقع المسؤولية اليوم ومن سبقوهم إليها. ولذلك فإن المسؤول السابق الذي يهاجم كل ما بعد مرحلته قد يقع في مفارقة واضحة: فهو ينتقد مؤسسة كان جزءاً منها، ومسيرة ساهم في بعض مراحلها، ونظام عمل يعرف من الداخل أن إصلاحه أكثر تعقيداً من الشعارات التي يمكن إطلاقها بعد المغادرة.
وهنا لا بد من حماية قيمة النقد نفسها. فالنقد الحقيقي ليس تصفيقاً للحكومة، لكنه أيضاً ليس سباقاً في رفع سقف الغضب. النقد الذي تحتاج إليه الدولة هو الذي يحدد المشكلة، ويقدم الدليل، ويقترح الحل، ويقبل بأن الإنجاز والإخفاق يمكن أن يوجدا في المشهد نفسه. أما الخطاب الذي لا يرى إلا السواد بعد مغادرة صاحبه للمنصب، بينما كان يرى الصورة بصورة مختلفة عندما كان داخله، فمن الطبيعي أن يثير التساؤل حول دوافعه السياسية.
وقد تكون الرغبة في العودة إلى المشهد العام أمراً مشروعاً بحد ذاتها. من حق المسؤول السابق أن يطمح إلى موقع جديد، ومن حق السياسي أن يسعى إلى استعادة حضوره، ومن حق صاحب الخبرة أن يعتقد أن لديه ما يقدمه. لكن الطريق إلى ذلك يفترض أن يكون عبر الفكرة والبرنامج والسجل والقدرة على تقديم إضافة جديدة، لا عبر رفع منسوب الهجوم على الدولة أملاً في أن يصبح صاحبه أكثر حضوراً.
فالمنصب العام لا ينبغي أن يكون مكافأة لمن يرفع صوته أكثر، ولا رسالة بأن أقصر الطرق للعودة إلى دائرة القرار هي مهاجمة كل من أصبح داخلها. مثل هذه الثقافة، إن ترسخت، تنتج سلوكاً سياسياً خطيراً: المسؤول يعمل داخل الدولة بصمت، وحين يغادرها يتحول إلى خصم لها، ثم إذا عاد إلى المنصب يعود مرة أخرى للدفاع عنها. عندها يصبح الموقف مرتبطاً بالكرسي لا بالقناعة.
والدولة تحتاج إلى نمط مختلف تماماً من المسؤول السابق. تحتاج إلى رجل دولة يحتفظ بإحساسه بالمسؤولية حتى بعد مغادرة مكتبه. يستطيع أن يقول إن الحكومة أخطأت هنا وأصابت هناك، وأن ينتقد قراراً بشدة من دون أن يهدم المؤسسة، وأن يكشف خللاً يعرفه من تجربته من دون أن يقدم نفسه كأنه لم يكن يوماً جزءاً من البيئة التي أنتجته.
بل إن المسؤول السابق يستطيع أن يكون من أهم مصادر الإصلاح إذا قرر استخدام خبرته بهذه الطريقة. فهو يعرف أين تتعطل الإجراءات، وكيف تتداخل الصلاحيات، وأين توجد الثغرات، وما الذي يمنع تنفيذ القرارات. ولو تحولت هذه المعرفة إلى أوراق سياسات ومقترحات وتشخيصات دقيقة، لأصبحت خبرته بعد المنصب أكثر قيمة من وجوده فيه أحياناً.
أما البطولة المتأخرة فلا تكفي. فمن السهل أن تصبح القرارات القديمة واضحة بعد ظهور نتائجها، وأن نعرف بعد سنوات أي الخيارات كان ينبغي اتخاذها. لكن قيمة رجل الدولة تظهر أيضاً في قدرته على الاعتراف بمسؤوليته عن المرحلة التي شارك فيها، لا أن ينسب نجاحاتها إلى نفسه ويضع إخفاقاتها على الدولة أو على من جاء بعده.
وفي المقابل، لا ينبغي استخدام هذه الحجة لتحصين الحكومات الحالية من النقد. الحكومة التي تعمل بالمال العام وتدير شؤون الناس يجب أن تكون قابلة للمساءلة والنقد، سواء جاء النقد من مواطن أو نائب أو صحفي أو مسؤول سابق. ولا يجوز وصف كل اعتراض بأنه استهداف للدولة، لأن ذلك يخلط بين الولاء للوطن والموافقة على الحكومة، وهما أمران مختلفان.
المعادلة الدقيقة هي أن الدولة يجب ألا تستخدم ذريعة لإسكات النقد، كما يجب ألا تستخدم هدفاً لبناء بطولة سياسية شخصية.
ويمكن للمواطن أن يميز بين الحالتين بسهولة أكبر مما يعتقد البعض. فهو يعرف المسؤول الذي يقدم أرقاماً وحلولاً، ويعرف من يكتفي بالجمل الكبيرة. ويلاحظ من حافظ على موقفه عندما كان في السلطة وبعد مغادرتها، ومن تغير خطابه بالكامل بمجرد أن أصبح خارجها. والذاكرة العامة قد لا تكون مثالية، لكنها ليست قصيرة إلى الحد الذي يسمح بإعادة كتابة تاريخ المسؤول مع كل منصب جديد.
هناك أيضاً جانب أخلاقي في المسألة. المنصب العام يمنح صاحبه اطلاعاً على معلومات وتجارب وعلاقات لا تتاح للمواطن العادي. ومن غير المقبول أن تتحول هذه المعرفة بعد الخروج إلى أداة لتصفية الحسابات أو الإيحاءات أو صناعة الإثارة. المسؤولية تجاه الدولة لا تنتهي بتسليم السيارة الحكومية أو إخلاء المكتب؛ بعض أسرارها وحساسياتها تبقى أمانة بعد المنصب.
والأردن، في مرحلة إقليمية واقتصادية معقدة، يحتاج إلى توسيع مساحة النقاش الوطني لا تسميمها. نحتاج إلى أصوات تقول للحكومة بوضوح أين أخطأت، وتدفعها إلى تحسين أدائها، وتراقب الإنفاق والقرارات والمشاريع، لكننا نحتاج بالقدر نفسه إلى أن يبقى النقاش حول السياسات لا حول تقويض الثقة بالدولة نفسها.
فالحكومة ليست الدولة، وانتقاد الحكومة ليس استقواءً على الدولة. لكن عندما يصبح خطاب مسؤول سابق قائماً على نفي الإنجاز كله، وتصوير المؤسسات باعتبارها عاجزة بالكامل، واستخدام غضب الناس منصة لاستعادة حضور شخصي، عندها يصبح من المشروع سياسياً وأخلاقياً مساءلة هذا الخطاب عن أهدافه وتوقيته وسجل صاحبه.
ومن يريد العودة إلى الخدمة العامة لا يحتاج إلى إثبات أن الجميع فشل بعده. يستطيع أن يعود بفكرة أفضل، أو برنامج أقوى، أو تجربة ناضجة، أو اعتراف صريح بما أخطأ فيه سابقاً وما تعلمه منه. وربما تكون عبارة «كنت مسؤولاً عن جزء من هذا الخلل، وهذه رؤيتي لإصلاحه اليوم» أكثر احتراماً لعقل المواطن من محاولة الظهور بمظهر من اكتشف فجأة جميع مشكلات الدولة بعد أن فقد مكتبه.
الدولة القوية لا تخشى النقد، والمسؤول الواثق لا يحتاج إلى مهاجمة الدولة حتى يثبت أهميته. وبين الاثنين يجب أن تبقى قاعدة واضحة: الموقع العام تكليف مؤقت، أما المسؤولية تجاه الدولة فلا تنتهي بانتهاء التكليف.
ومن غادر المنصب وفي جعبته خبرة، فليضعها في خدمة البلد. ومن يمتلك نقداً، فليقدمه بالدليل والحل. ومن يريد العودة إلى المشهد، فليعد من باب الكفاءة والرؤية، لا من نافذة التشكيك بكل ما أنجزه الآخرون.
فالدولة ليست سلّماً نصعد عليه إلى المنصب، ثم نركله عندما ننزل منه، ثم نبحث عنه مرة أخرى عندما نشتاق إلى الصعود.












































