اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٦
الرياض - لينا الساعد
لم تكن الخرائط عبر التاريخ مجرد وسيلة لتحديد المواقع أو رسم الحدود، بل شكلت سجلًا بصريًا حفظ ذاكرة الحضارات، ووثق طرق التجارة، ورصد تحولات المدن والدول، كما عكست في كل مرحلة الطريقة التي فهم بها الإنسان العالم من حوله. ومن هذه الرؤية ينطلق معرض «خيال حتمي: الخرائط، الفن، وملامح عالمنا»، الذي تنظمه وزارة الثقافة في مدينة البندقية الإيطالية، ليقدم قراءة تجمع بين التاريخ والفن، وتعيد تقديم الخرائط باعتبارها وثائق ثقافية تتجاوز وظيفتها الجغرافية التقليدية.
ويقام المعرض في مبنى الأباتسيا (Abbazia di San Gregorio) التاريخي بمدينة البندقية، ويستمر حتى 22 نوفمبر 2026، بالتزامن مع فعاليات الدورة الحادية والستين من بينالي البندقية للفنون، أحد أبرز الأحداث الفنية الدولية، ليمنح الزوار فرصة للتعرف على تاريخ رسم الخرائط وعلاقته بالفنون البصرية، ضمن تجربة تجمع بين المقتنيات التاريخية والأعمال الفنية المعاصرة.
ويستعرض المعرض رحلة الخرائط عبر قرون طويلة، منذ النماذج الأولى التي اعتمدت على الملاحظات والروايات والرحلات، وصولًا إلى الخرائط التي أصبحت نتاجًا للتقدم العلمي والاستكشافات الجغرافية. ويكشف كيف لم تكن الخرائط في أي مرحلة انعكاسًا للواقع فحسب، بل كانت أيضًا تعبيرًا عن التصورات الفكرية والثقافية والسياسية لعصورها، وهو ما جعلها مصدرًا لفهم تاريخ المجتمعات بقدر ما كانت وسيلة لفهم الجغرافيا.
ويضم المعرض مجموعة متنوعة من الخرائط التاريخية، إلى جانب مخطوطات نادرة وقطع أثرية وأعمال فنية معاصرة، تتناول جميعها العلاقة بين الإنسان والمكان، وكيف أسهمت الخرائط في توثيق حركة الشعوب، وازدهار طرق التجارة، وتبادل المعارف بين الحضارات. كما تبرز المعروضات تطور فن رسم الخرائط، وما شهده من انتقالات بين الدقة العلمية والخيال الفني، في تجربة تضع الزائر أمام تاريخ طويل من محاولات الإنسان لفهم العالم ورسم حدوده.
ومن بين المقتنيات المعروضة، قطع أثرية تعود إلى القرن الأول الميلادي، ومخطوطات زخرفية من القرن الثامن عشر من شبه الجزيرة العربية، إضافة إلى أعمال لفنانين معاصرين أعادوا قراءة مفهوم الخريطة من منظور بصري جديد، لتصبح الخريطة عنصرًا فنيًا يحمل دلالات تتعلق بالهوية والذاكرة والانتماء، وليس مجرد وسيلة للإرشاد أو تحديد المواقع.
ويعكس عنوان المعرض «خيال حتمي» الفكرة التي يقوم عليها، إذ يشير إلى أن رسم الخرائط ظل، عبر التاريخ، يجمع بين المعرفة المتاحة والخيال الذي كان يملأ الفراغات المجهولة. فكل خريطة حملت في تفاصيلها قدرًا من الحقائق، وقدرًا آخر من التصورات التي فرضتها حدود المعرفة في زمنها، قبل أن تعيد الاكتشافات اللاحقة رسم صورة العالم من جديد.
ويتولى الإشراف على المعرض فريق من القيّمين الفنيين بقيادة سارة المطلق وأورورا فوندا، وبمشاركة زايرا كارير والدكتورة أمينة دياب، في تعاون يجمع خبرات سعودية ودولية لتقديم تجربة تتقاطع فيها الفنون البصرية مع التاريخ والجغرافيا والبحث الأكاديمي، بما يعزز البعد المعرفي للمعرض ويمنحه طابعًا يتجاوز العرض التقليدي للمقتنيات.
ويأتي تنظيم المعرض ضمن البرنامج الثقافي الذي تنفذه وزارة الثقافة في البندقية بالتزامن مع بينالي البندقية للفنون، في إطار جهودها لتعزيز حضور الثقافة السعودية في المحافل الدولية، وإبراز إسهامات المملكة في مجالات الفن والتراث، إلى جانب بناء جسور للحوار الثقافي مع المؤسسات والمتاحف والجمهور العالمي.
ولا يكتفي «خيال حتمي» بعرض تاريخ الخرائط، بل يدعو إلى إعادة النظر فيها بوصفها شاهدًا على مسيرة الإنسان في اكتشاف العالم وفهمه. فمن خلال ما تضمه من معارف ورؤى ورموز، تتحول الخريطة إلى وثيقة تحفظ ذاكرة الحضارات، وتسجل حركة التاريخ، وتؤكد أن رحلة رسم العالم لم تكن يومًا مجرد عمل جغرافي، بل كانت أيضًا رحلة ثقافية وإنسانية لا تزال فصولها تتجدد حتى اليوم.










































