اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٠ أيار ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
باب المقارنات مع الآخرين واسع، والدخول فيه يحيل الشخص إلى كائن قلق ومترقب، ويعكر مزاجه، ويشغله بأمور هامشية، وقد يؤدي به للانتحار أحيانًا، وأتفق مع من يقول إن الأنسب هو منافسة الشخص لنفسه، ومقارنة إنجازاته السابقة بما وصل إليه، ومحاولة الوصول لأفضل نسخة منه، وعدم التفكير في غيره كثيرًا، لأن الأقدار مكتوبة وعادلة دائمًا، ولن تغيرها لحظات مصنوعة أو عابرة..
فكرة المقارنات الاجتماعية تسيطر على أعداد كبيرة من السعوديين، وأشار تقرير مستقبل التسوق لعامي 2022 و2023، أن ما نسبته 70 % من الشباب السعودي على سناب شات يتأثرون بالمظاهر في اتخاذ قرارات الشراء، وبما يسهم في تعزيز صورتهم الإيجابية مقارنة بالآخرين، والشيء نفسه ينسحب على الهدر الغذائي في الولائم، والذي تصل قيمته إلى 40 مليار ريال، أو قرابة 15 مليار دولار، ويقدر قياساً لاجمالي ما يتم تناوله بنحو 33 %، بالإضافة لأنهم أنفقوا على أحدث الصيحات ما قيمته 325 مليار ريال، أو حوالي 87 مليار دولار في 2025، لتعزيز مكانتهم الاجتماعية، وبما نسبته 65 % من مبيعات التجارة الإلكترونية في ذات العام، واستنادا لأرقام البنك المركزي السعودي في العام نفسه، استحوذ قطاع التمويل الاستهلاكي والسيارات وغيرها من التمويلات الفردية على الحصة الأكبر من محفظة شركات التمويل، وبما نسبته 77 %، وكلها تفيد أن البحث عن الوجاهة الاجتماعية والتفوق على الآخر، حاضرة بصورة واضحة في المشهد السعودي الحالي، ولو كان ذلك لبعض الوقت وفي مناسبات معينة.
فقد انتشرت في الأوساط النسائية السعودية مؤخراً، خدمات تأجير حقائب الماركات العالمية، وبمبلغ ثلاثة آلاف ريال، أو 800 دولار عن كل ليلة، وحقائب من هذا النوع تصل قيمتها إلى 40 ألف ريال، أو 15 ألف دولار، والسابق يحدث من أجل المقارنة البصرية مع الأخريات، في حفلات الزفاف والمناسبات الاجتماعية، حتى لوحات السيارات السعودية، تحولت إلى مؤشر على المكانة والتميز عند المقارنة بالآخرين، وأصبحت قيمة اللوحة الواحدة تتجاوز تكلفة أسطول من السيارات، ومن الأمثلة التي حدثت بالفعل، بيع جهاز المرور السعودي للوحة مميزة في مزاد تم منذ فترة بمبلغ يفوق عشرة ملايين ريال، أو ثلاثة ملايين و750 ألف دولار.
زيادة على ما سبق، هناك سعوديون يقومون بحجز جلسات تصوير وأخذ مقاطع فيديو، داخل طائرات خاصة، متوقفة في المطار ولا تغادره، مقابل سبعة آلاف ريال في الساعة، أو ما يساوي ألفين و625 دولارا، وذلك لعرضها على منصات السوشال ميديا، وبما يضعهم في مرتبة اجتماعية أعلى عند مقارنتهم بأقرانهم، وحتى غرف الولادة في المستشفيات غير الحكومية تحولت إلى قاعات حفلات مصغرة، وهناك شركات تستأجر لتنسيق ديكورها بالكامل، وتجهيزها للاستقبال والضيافة، وبميزانية تقترب من 50 ألف ريال، أو 18 ألفا و750 دولارا، والمعنى أن المسألة انتقلت من امتلاك الشيء إلى امتلاك التجربة وتوثيقها، والخسارة في هذه الحالة ليست في قيمة السلعة، وإنما في صرف أموال ضخمة لمجرد الحصول على لحظة بصرية تؤكد التفوق الاجتماعي.
التراث العربي فيه نماذج مشابهة، من أبرزها، سوق عكاظ في الطائف، فقد كان هذا السوق في الجاهلية مكاناً للمقارنة بين القبائل في الكرم والشجاعة والنسب، وشعراء المعلقات كانوا يجسدون في قصائدهم مفهوم المقارنة الاجتماعية، بحسب وصف ليون فيستنغر في نظريته التي صاغها عام 1952، فقد قارنوا فيها بين الأنا والآخر، للوصول إلى عملقة الأنا وتقزيم الآخر، والمفاخرة بالتفوق كانت ترافق الرجل إلى قبره في تلك الأيام، فأصحاب الثروات حرصوا على تضمين وصاياهم نحر إبلهم عند قبورهم، ليس لإطعام أحد وإنما لإثبات تفوقهم على الفقراء، الذين لا ينحر لهم إلا الهواء، وفي العصر الأموي، وتحديداً في وليمة زواج بوران على الخليفة المأمون، قام والد العروس برمي كرات من المسك على الحضور، وبداخل كل كرة ورقة تمنح من يلتقطها عقارا أو خيلا، وقد أنفق في هذه الوليمة ما يصل إلى 38 مليون درهم، وهو رقم فلكي بمقاييس ذاك الزمان، وما قام به والد العروس قصد به التأكيد على أنه لا يقل في كرمه عن الخلفاء.. وفي العصر العباسي، حصل الشاعر أبوتمام على 100 ألف درهم لأنه كتب قصيدة واحدة، أظهر فيها أمام العامة أن الخليقة المعتصم أفضل من أسلافه في الجود والكرم.
في المقابل قامت الملكة كيلوبترا السابعة بإذابة لؤلؤة في كأس من الخل وشربها، واللؤلوة كانت قيمتها عشرة ملايين سسترس، وهو اسم لعملة رومانية، حتى تثبت لمارك أنطونيو أن مائدتها لا تقارن بأي مائدة رومانية.. وفي زمن الملكة أليزابيث الأولى، في القرن السادس عشر الميلادي، نظر لتسوس الأسنان كدليل على الثراء، لأنه يحدث نتيجة لتناول السكر، والأخير سلعة غالية لا يشتريها إلا الأثرياء حينها، ولهذا تعمد بعض محدودي الدخل صبغ أسنانهم باللون الأسود للإيهام أنهم يملكون مالا كافيا لشراء السكر الذي يسوس الأسنان.
باب المقارنات مع الآخرين واسع، والدخول فيه يحيل الشخص إلى كائن قلق ومترقب، ويعكر مزاجه، ويشغله بأمور هامشية، وقد يؤدي به إلى الانتحار أحيانًا، وأتفق مع من يقول إن الأنسب هو منافسة الشخص لنفسه، ومقارنة إنجازاته السابقة بما وصل إليه، ومحاولة الوصول لأفضل نسخة منه، وعدم التفكير في غيره كثيرًا، لأن الأقدار مكتوبة وعادلة دائمًا، ولن تغيرها لحظات مصنوعة أو عابرة.










































