اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٥ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - هناك لحظات لا يحتاج فيها الأردني إلى كثير من الشرح ليعرف لماذا يشعر بالفخر ببلده وقيادته. لحظات يرى فيها جلالة الملك عبدالله الثاني يقف أمام العالم، يتحدث بوضوح عن فلسطين والقدس وحقوق شعبها، وعن أمن الأردن وحدوده ومياهه وسيادته، فيشعر أن الصوت الذي يصل إلى قاعة الأمم المتحدة يحمل معه شيئاً من وجدان الأردنيين أنفسهم.
وهذا الشعور لم يبدأ مع خطاب واحد، ولا يرتبط بمناسبة دولية عابرة. فالمواقف التي حملها الملك في نيويورك امتداد لمسار سياسي أردني طويل يقوم على الدفاع عن القضية الفلسطينية، ورفض التهجير، وحماية المقدسات، والتمسك بحل الدولتين، وفي الوقت ذاته وضع أمن الأردن ومصالحه الوطنية فوق كل اعتبار. وفي خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، حذر الملك من أن الأطماع التوسعية للحكومة الإسرائيلية أصبحت تهديداً إقليمياً، وأكد أن أي تهديد للحدود الشمالية للمملكة أو لأمنها المائي يمثل تهديداً للأمن الوطني الأردني.
ما يبعث على الاعتزاز هنا ليس ارتفاع نبرة الخطاب بقدر ما هو وضوح الموقف واستمراريته. فالأردن لم يكتشف القضية الفلسطينية اليوم، ولم يصبح رفض تهجير الفلسطينيين موقفاً أردنياً بعد الحرب الأخيرة، ولم تكن القدس يوماً ملفاً موسمياً في السياسة الأردنية. هناك خط سياسي حافظت عليه المملكة في مراحل إقليمية ودولية مختلفة، حتى عندما تغيرت الحكومات والتحالفات والظروف المحيطة بالمنطقة.
وعندما ذكّر الملك المجتمع الدولي بأنه حذر طوال سنوات من مخاطر ترك الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من دون حل، وأن العالم اختار إدارة الصراع بدلاً من حل جذوره، كان يعيد إلى الواجهة موقفاً أردنياً ظل يحذر من أن غياب الأفق السياسي لن ينتج استقراراً دائماً.
بالنسبة إلى الأردنيين، فلسطين ليست ملفاً بعيداً من ملفات السياسة الخارجية. الجغرافيا والتاريخ والعلاقات الاجتماعية والإنسانية والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس جعلت القضية حاضرة بصورة عميقة في الوعي الوطني الأردني. ولذلك، عندما يتحدث الملك عن غزة والضفة والقدس والاستيطان والتهجير، يسمع الأردني خطاباً عن قضية قريبة منه وجدانياً وسياسياً، وفي الوقت نفسه مرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل أمن بلده واستقرار المنطقة.
وهنا تظهر إحدى أهم معادلات الموقف الأردني: الدفاع عن حقوق الفلسطينيين لا يتعارض مع الدفاع عن المصالح الوطنية الأردنية، بل إن المسارين يلتقيان عند نقطة أساسية هي أن قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة يمثل جزءاً من الطريق إلى استقرار المنطقة، فيما يشكل التهجير والضم وتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي بالقوة خطراً لا يتوقف عند حدود الأراضي الفلسطينية.
ولذلك كانت الرسالة الملكية المتعلقة بالدبلوماسية ذات دلالة خاصة. الأردن اختار تاريخياً الحوار والعمل السياسي والعلاقات الدولية طريقاً لحماية مصالحه والمساهمة في معالجة أزمات المنطقة، لكن الملك شدد على أن تمسك المملكة بالدبلوماسية لا ينبغي أن يُساء فهمه باعتباره ضعفاً. وهذه العبارة تحديداً لامست شعوراً أردنياً واضحاً: نحن دولة تريد السلام، لكنها تعرف حقوقها؛ لا تبحث عن المواجهة، لكنها تعرف أين تبدأ حدودها ومصالحها وسيادتها.
الأردني يريد أن يرى بلده بهذه الصورة؛ دولة هادئة في خطابها، لكنها واضحة في موقفها. دولة لا تبحث عن خصومات، لكنها لا تسمح لأحد بأن يختبر صبرها عندما يتعلق الأمر بأمنها. دولة تستخدم الدبلوماسية لأنها تؤمن بها، لا لأنها تفتقد القدرة على حماية نفسها.
ولهذا اكتسب الحديث الملكي عن سوريا أهمية إضافية. فعندما انتقل الملك من فلسطين إلى التطورات في الجنوب السوري، لم يكن ينتقل إلى ملف منفصل، بل كان يتحدث عن محيط الأردن المباشر. التوغلات وفرض الوقائع الجديدة والاقتراب من ملفات المياه والحدود ليست بالنسبة إلى المملكة أخباراً خارجية يمكن مراقبتها من بعيد، وإنما تطورات تمس بيئتها الأمنية بصورة مباشرة.
وحين يقول الملك أمام العالم إن أمن الحدود الشمالية والأمن المائي جزء من الأمن الوطني الأردني، فإن المواطن يفهم الرسالة فوراً: الأردن يمد يده للسلام، لكنه يرسم في الوقت ذاته حدوداً واضحة عندما يتعلق الأمر ببيته.
وهذا التوازن بين المبدأ والمصلحة من أبرز عناصر السياسة الأردنية. المملكة تستطيع الدفاع عن الفلسطينيين، والمطالبة بوقف الحروب، والعمل من أجل استقرار سوريا ولبنان والمنطقة، وفي الوقت نفسه تقول بوضوح إن مسؤوليتها الأولى هي حماية الأردن وشعبه وسيادته ومصالحه.
ولعل هذا ما يجعل كثيراً من الأردنيين يتفاعلون بصورة خاصة مع خطابات الملك في الخارج. ففي الداخل، من الطبيعي أن يختلف الناس حول أداء حكومة أو قانون أو ضريبة أو خدمة أو قرار اقتصادي، وهذه طبيعة أي مجتمع حي. لكن عندما يقف الملك أمام العالم، تظهر مساحة وطنية أوسع تتجاوز التفاصيل اليومية؛ هناك علم واحد خلفه، ودولة واحدة يمثلها، ومصالح وطنية يتحدث باسمها.
في تلك اللحظة لا يرى المواطن مسؤولاً يتحدث في مؤتمر دولي فقط، بل يرى الأردن على المنصة.
والأردن، رغم محدودية موارده وحجمه مقارنة بقوى إقليمية ودولية أكبر، استطاع على مدى عقود أن يبني لنفسه حضوراً دبلوماسياً يتجاوز حسابات المساحة والسكان. المملكة لا تملك أكبر اقتصاد في المنطقة، لكنها تملك شبكة علاقات دولية واسعة، ودوراً سياسياً معروفاً، وقدرة على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع أطراف مختلفة.
وهذه قيمة سياسية حقيقية. فالدول لا تقاس فقط بعدد سكانها أو حجم اقتصادها أو مواردها الطبيعية؛ هناك أيضاً صدقية الموقف، واستمرارية السياسة، والقدرة على بناء العلاقات، والمكان الذي تستطيع الدولة أن تحجزه لنفسها على طاولات القرار.
ومن هنا يأتي جانب آخر من الاعتزاز الأردني بالملك: القدرة على حمل صوت بلد محدود الموارد إلى أكبر المنابر الدولية، والتحدث بثقة عن قضايا المنطقة ومصالح المملكة من دون أن يشعر الأردن بأنه مطالب بالاعتذار عن حجمه.
لكن الصورة الأهم ربما لا توجد في قاعة الجمعية العامة نفسها، وإنما في البيت الأردني. مواطن يشاهد الملك من هاتفه أو شاشة التلفاز، وقد تكون لديه عشرات الهموم اليومية؛ راتب ينتظره، أو وظيفة يبحث عنها، أو قسط يريد دفعه، أو خدمة غير راضٍ عنها. ومع ذلك، عندما يسمع ملكه يتحدث عن كرامة بلده وأمنه وحدوده وفلسطين والقدس، يشعر بأن هناك شيئاً أكبر من التفاصيل اليومية يجمع الأردنيين.
هذه العلاقة بين القيادة والناس لا تبنى بالكلمات وحدها. قوتها تأتي عندما يجد المواطن في الموقف الرسمي شيئاً قريباً مما يشعر به ويؤمن به. ولذلك فإن الاعتزاز بالمواقف الملكية ليس مرتبطاً فقط بجمال الخطاب أو قوة عباراته، وإنما بالشعور بأن هناك ثوابت لم تتغير عندما تغيرت ظروف المنطقة.
فلسطين لم تغب. القدس لم تصبح ملفاً ثانوياً. رفض التهجير بقي واضحاً. حماية الأردن بقيت أولوية. والدبلوماسية بقيت الطريق الذي تختاره المملكة مع التأكيد في الوقت نفسه أن السيادة والأمن الوطني ليسا موضوعاً للمساومة.
ويمكن قراءة التفاعل الواسع الذي أعقب خطاب الأمم المتحدة من هذه الزاوية. فقد صدرت مواقف عن شخصيات وفعاليات سياسية وبرلمانية وشعبية أشادت بمضامين الخطاب، خصوصاً ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وحماية المصالح الوطنية الأردنية. لكن الأهم من البيانات الرسمية والتعليقات السياسية هو ذلك الشعور الذي يظهر بصورة عفوية لدى الناس عندما يرون موقف بلدهم معبّراً عنهم.
فالأردني لا يحتاج إلى من يطلب منه أن يفتخر بملكه. المواقف هي التي تصنع هذا الشعور.
وعندما يرى قيادة تتمسك بالسلام من دون التفريط بالسيادة، وتدافع عن فلسطين من دون أن تنسى الأردن، وتتحرك دبلوماسياً في عالم شديد التعقيد، لكنها تعرف أين ترسم الخطوط المرتبطة بأمن المملكة، يصبح الاعتزاز بالموقف أمراً طبيعياً.
وربما لهذا كانت صورة الملك في نيويورك أكبر من مجرد خطاب في اجتماع سنوي للأمم المتحدة. بالنسبة إلى كثير من الأردنيين كانت صورة بلدهم وهو يقول للعالم: لدينا موقف، ولدينا مبادئ، ولدينا مصالح، ونعرف كيف ندافع عنها.
وفي وطن نختلف داخله على كثير من التفاصيل، تبقى من أجمل اللحظات تلك التي يستطيع فيها الأردني أن ينظر إلى ملكه وهو يتحدث أمام العالم، ويشعر بأن الكلمات التي يسمعها تحمل شيئاً منه أيضاً.
هذا ملكنا، وهذا الأردن الذي نريده: ثابتاً في مواقفه، وفياً لفلسطين والقدس، حريصاً على السلام، قوياً في حماية سيادته، وواثقاً وهو يتحدث أمام العالم.
وحين يكون صوت الملك قريباً من نبض شعبه، يصبح الفخر موقفاً لا يحتاج إلى شرح.












































