اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
لم تكن موافقة حماس على المشاركة في الانتخابات الفلسطينية المقبلة مجرد خطوة حزبية عابرة، بل كانت ضربة سياسية غير متوقعة للرئيس محمود عباس الذي بدا أنه راهن على أن الفرصة سانحة لعزل الحركة واستثمار تراجع شعبيتها بعد 7 أكتوبر؛ لكن دخول حماس السباق عبر قائمة وطنية موسعة تشمل الجهاد الإسلامي وتيار دحلان والمستقلين، أعاد فرضها فاعلًا مركزيا في أي ترتيب سياسي قادم، وسحب البساط من تحت عباس قبل أن يحسم معركته.
بعد 7 أكتوبر، بدا أن عباس يراهن على أن الحرب والخسائر الميدانية والضغوط الدولية ستُضعف حماس وتُفقدها قدرتها على المنافسة بما يتيح لفتح والسلطة إعادة ترتيب المشهد من دون منافس قوي؛ لكن هذا الافتراض لم يصمد تماما؛ فحماس اختارت المشاركة عبر قائمة توافقية بدل قائمة حزبية صريحة في خطوة تقلل من إمكان احتوائها أو استبعادها بسهولة. وبذلك وجد عباس نفسه أمام معادلة جديدة: حماس لم تعد طرفا مُقصى يُدار ملفه من الخارج أو يُفرض عليه حل من فوق، بل أصبحت شريكا محتملا في تشكيل أي توازن برلماني أو حكومي قادم؛ كما أن التحالف مع تيار دحلان وهو خصم طويل الأمد لعباس يمنح المعادلة بعدا إضافيا يهدد هيمنة فتح التقليدية.
إن انضمام تيار دحلان إلى التحالف مع حماس والجهاد الإسلامي لا يمثل مجرد ترتيب انتخابي، بل تحولا سياسيا عميقا يعيد رسم خريطة القوى داخل الحركة الوطنية الفلسطينية. فدحلان الذي خرج من فتح بعد صراع طويل مع عباس يجد في هذا التحالف فرصة للعودة إلى قلب المعادلة عبر بوابة انتخابية بعد أن ظل لسنوات خارج دائرة التأثير الرسمي في رام الله.
وتكمن الخطورة الحقيقية لهذا التحالف في أنه يمنح دحلان شرعية شعبية عبر صناديق الاقتراع، بعد أن ظل نفوذه محصورا في الخارج وفي شبكات محددة داخل غزة؛ كما أن وجوده إلى جانب حماس يمنح التحالف بعدا مزدوجا من خلال قوة حماس الشعبية والتنظيمية في غزة، مع شبكات دحلان وعلاقاته الإقليمية والدولية.
يواجه فتح الآن اختبارا وجوديا إذ لم يعد الخطر يأتي من حماس وحدها، بل من تحالف يجمع خصما سياسيا تقليديا مع خصم داخلي من داخل الحركة نفسها؛ فانقسامات فتح بين التيار الرسمي بقيادة عباس والتيار الإصلاحي؛ إضافة إلى تيار دحلان، تجعل الحركة أكثر هشاشة أمام أي منافسة انتخابية حقيقية.
كما أن وجود دحلان في المعادلة قد يدفع قيادة فتح إلى تشديد الخناق الداخلي بدل توحيد الصفوف، خوفا من فقدان السيطرة على المؤسسات والتمويل والعلاقات الدولية؛ وهذا بدوره قد يفتح الباب أمام مزيد من الانشقاقات خصوصا إذا بدت نتائج الاستطلاعات أو المشاورات المبكرة مرشحة لصالح التحالف الجديد.
لم يكن الانقسام داخل فتح وليد اللحظة، بل تراكم عبر سنوات من الاحتكاك بين التيار الرسمي وكوادر الحركة القاعدية؛ وقد ظهرت هذه الهوة بوضوح في آخر مؤتمر للحركة حين أُثيرت تساؤلات واسعة حول شفافية الانتخابات الداخلية ومدى تمثيلها الحقيقي لقاعدة الحركة.
وبرز اسم ياسر عباس، نجل الرئيس محمود عباس في قلب هذا الجدل بعد دخوله الحركة وتوليه مواقع قيادية فيها وهو ما فسّره كثيرون داخل الحركة على أنه خطوة لتعزيز النفوذ العائلي داخل المؤسسة الحزبية، لا مجرد صعود فردي؛ وأدى ذلك إلى تعميق الشعور لدى كوادر الحركة بأن الطريق إلى القيادة أصبح مرتبطا بالقرابة أو بالولاء للتيار الرسمي، لا بالكفاءة أو بالتاريخ النضالي.
لم يقتصر 'الانقسام الفتحاوي' على الصراع على المواقع، بل امتد إلى تهميش واسع لكوادر فتح التاريخية والشعبية؛ فأسماء مثل مروان البرغوثي وهو من أبرز القيادات الشعبية داخل الحركة ظلت بعيدة عن دائرة التأثير الفعلي في رام الله رغم تمتعها باحترام واسع بين القاعدة والجمهور وهذا التهميش لم يكن مجرد خيار تنظيمي، بل انعكاس لخوف التيار الرسمي من أي قيادة شعبية قادرة على تحدي هيمنته من الداخل.
وبذلك وجدت الحركة نفسها أمام معادلة مضاعفة: انقسام داخلي بين تيارات متصارعة وتهميش للكوادر القادرة على استعادة التوازن، وصراع مع تحالف خارجي يجمع خصوما تقليديين؛ وهذا المزيج يجعل موقع فتح في الانتخابات المقبلة أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
الانتخابات الفلسطينية المقبلة وحدها لا تنتج مصالحة ولا تعالج أزمة التمثيل ما لم تُقرن بحوار وطني حقيقي، وبضمانات عملية لإجراء الاقتراع في الضفة وغزة والقدس الشرقية. فالقدس تتطلب ترتيبات خاصة مع 'إسرائيل' بينما تجعل الظروف الميدانية في غزة إدارة العملية الانتخابية اختبارا لوجستيا وأمنيا بالغ التعقيد.
كما أن الخلافات داخل فتح قد تعيد إنتاج سيناريو 2021، حين أُجّلت الانتخابات بعد أن أصبح من الواضح أن نتائجها قد لا تخدم توازنات القوى القائمة؛ حيث تشير التقارير الحالية إلى احتمالات تأجيل جديد، وهو ما يحوّل الانتخابات من وسيلة لتجديد الشرعية إلى أداة لإدارة الأزمة وتأجيل حسمها.
إن موافقة حماس على المشاركة لم تكن اعترافا بضعفها بل خطوة لإعادة إدخالها في قلب المعادلة السياسية الفلسطينية. أما عباس فبدل أن يحسم مسألة عزل حماس فقد وجد نفسه أمام تحالف قادر على تحدي هيمنته، ثم أمام خيار التأجيل الذي قد يؤجل الاقتراع لكنه لا يحل أزمة التمثيل والشرعية. وبذلك تبقى الانتخابات- إن أُجريت- اختبارا حقيقيا لقدرة الفلسطينيين على تجاوز الانقسام؛ وإذا تأجلت مجددا، فستبقى أداة لإدارة الأزمة لا لحلها.












































