اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٩ كانون الثاني ٢٠٢٦
بقلم: إبراهيم الزبدة*
لطالما كانت بيانات الشركات على مدار سنوات طويلة موزّعة على نطاقين منفصلين هما: أنظمة معالجة المعاملات عبر الإنترنت (OLTP) التي تُشغّل التطبيقات اليومية، وأنظمة المعالجة التحليلية عبر الإنترنت (OLAP) التي تُوفّر الرؤى. وكان هذا الانفصال ضرورة فرضتها قيود البنية التحتية القديمة، وساهم إلى حد بعيد في تحديد مسار عمل الشركات، مما اقتضى مضاعفة الجهود وعزل الفرق وإبطاء عملية اتخاذ القرارات.
وبينما ركز المطورون على إبقاء التطبيقات قيد التشغيل، اضطرّ المحللون لاستخدام بيانات غير مُحدّثة أو غير مكتملة. ومع أن البنية التحتية السحابية أزالت العديد من العقبات التقنية التي فرضها هذا الانقسام، غير أنه لا يزال موجوداً بفعل استخدام البرمجيات التقليدية واحتكار الموردين والجمود على الرغم من عدم وجود ضرورة حقيقية لذلك. ومن هذا المنطلق، حان الوقت لتغيير هذا النموذج وطريقة إدارتنا للبيانات.
بمجرد وصول البيانات إلى أنظمة معالجة المعاملات، يصبح نقلها صعباً ومكلفاً لأن صيغ التخزين وهياكل المعالجة الخاصة بالشركات تقوم باحتجاز البيانات داخل الأنظمة التشغيلية وتعيق اندماجها ضمن مسارات عمل أنظمة البيانات الحديثة والذكاء الاصطناعي، مما يدفع الشركات إلى مواصلة استخدام بُنى تحتية لم تعد تُلبي احتياجاتها.
ويحتاج وكلاء وتطبيقات الذكاء الاصطناعي اليوم للوصول سريعاً إلى البيانات الحية. لكن عندما تبقى البيانات التشغيلية عالقة داخل بيئات تقليدية قديمة، يُصبح تمكين الأتمتة أو التخصيص أو اتخاذ القرارات في الوقت الفعلي أكثر صعوبة. وهذا يُبطئ عملية التطوير ويَحدّ كذلك من سرعة الاستجابة وإمكانية التوسع واستخلاص رؤى آنية من أحجام البيانات سريعة النمو.
وانطلاقاً من ذلك، تسعى المزيد من الشركات اليوم إلى إيجاد بدائل تُزيل هذه القيود وتُوفر أساساً موحداً وسريع الاستجابة للأنظمة الحديثة القائمة على البيانات.
كان اعتماد أنظمة منفصلة للمعالجة التشغيلية (OLTP) والتحليلية (OLAP) منطقياً عندما كانت قدرات الحوسبة محدودة، فحينها لم يكن من الممكن تشغيل عمليات التحليل بالتوازي مع أحمال العمل التشغيلية. ومع توفر قدرات التخزين السحابي مثل تنسيقات الجداول المفتوحة، لم تعد الشركات بحاجة إلى مسارات عمل منفصلة لتوفير البيانات التشغيلية من أجل تحليلها. لكن لا تزال العديد من الشركات تعتمد اليوم على هياكل تتطلب استخراج البيانات التشغيلية وتحويلها وتحميلها قبل تحليلها، مما يستنزف الوقت ويزيد التكاليف.
ولا شك أن تبعات هذا الوضع جسيمة، حيث يعتمد المحللون في قراراتهم على معلومات غير محدّثة، كما يستهلك المطورون وقتاً طويلاً في صيانة مسارات عمل هشة بدلاً من بناء إمكانيات جديدة. فتتباطأ بذلك وتيرة الابتكار وترتفع التكاليف.
واستجابةً لذلك، تتجه المزيد من الشركات اليوم نحو استخدام هياكل بيانات موحدة تُدار فيها أحمال العمل التشغيلية والتحليلية ضمن قاعدة بيانات واحدة باستخدام محركات مُحسّنة لكل مهمة على حدة. ويٌقلل هذا النهج التعقيد ويحسن مستوى الكفاءة ويسرّع أداء المهام المتكررة، وجميعها مزايا جوهرية في عصر الذكاء الاصطناعي.
بناء أنظمة متوافقة مع وكلاء الذكاء الاصطناعي
يُحدث وكلاء الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في تطوير التطبيقات، حيث يمكن لهذه الأنظمة الذكية تنفيذ مهام معقدة ومتعددة الخطوات من خلال تحليل البيانات الخاصة والتفاعل مع المكونات الأخرى بشكل آني. وبفضل قدرتها على تنسيق القرارات والإجراءات عبر منظومة بيانات متكاملة، تتطور هذه التقنيات متجاوزةً مهام الأتمتة الأساسية لتصبح أجزاءً رئيسية من العمليات التشغيلية للشركات.
ولا بد من تطوير البنية التحتية لدعم هذا التحول، حيث يحتاج وكلاء الذكاء الاصطناعي للوصول سريعاً إلى البيانات الحية والاندماج بشكل سلس عبر الأنظمة ومسارات التطوير الحديثة. وهنا يبرز مفهوم جديد يُعرف باسم 'قاعدة البحيرة' (Lakebase) لمعالجة هذه المشكلات بشكل مباشر. ويجمع هذا المفهوم موثوقية قاعدة البيانات التشغيلية وتوافر بحيرة البيانات في مكان واحد، مما يتيح للفِرَق إنجاز مهام معالجة المعاملات والمعالجة التحليلية دون الحاجة إلى التحايل على الأنظمة. كما توفر قاعدة البحيرة وصولاً سريعاً إلى البيانات وقدرة توسّع سلسة من خلال فصل عمليات التخزين عن الحوسبة، ويتوافق ذلك مع عادات التطوير الحديثة مثل التفرع اللحظي وإدارة الإصدارات. وصُممت قاعدة البحيرة خصيصاً للتعامل مع أحمال العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث تتيح للمطورين ووكلاء الذكاء الاصطناعي بناء واختبار ونشر التطبيقات بسرعة دون الخضوع لقيود أنظمة معالجة المعاملات القديمة.
تتوجه المساعي في المرحلة المقبلة نحو الانفتاح والتقارب، حيث تحتاج الشركات اليوم إلى بنى تحتية تكسر الحواجز وتدعم احتياجات المعالجة التشغيلية والتحليلية في آن واحد، وتمنح المطورين المرونة اللازمة للمضي قدماً دون أي قيود.
تتعارض أنظمة معالجة المعاملات (OLTP) التقليدية بشكل متزايد مع هذا التوجه نظراً لهياكلها الصارمة واعتمادها الكبير على موردين محددين. وما نحتاجه الآن هو نهج جديد يقوم على استخدام منصات مفتوحة قابلة للتشغيل المتبادل وتُوحد أحمال العمل وتدعم متطلبات الأداء وإمكانية التوسع والمرونة التي تحتاجها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ولن تحدث رحلة التحول هذه بين ليلة وضحاها، غير أن الشركات السبّاقة إلى الاستفادة من هذه المزايا كالحد من التشتت وتبني الانفتاح وتصميم أنظمة ذكية، ستكون بلا شك الأكثر قدرةً على التفوق في عصر الذكاء الاصطناعي.
*مدير العملاء الرئيسيين لدى شركة 'داتابريكس' في السعودية










































