اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣٠ تموز ٢٠٢٦
أحمد الغنام
ينطوي الفعل الإبداعي في جوهره على سرّ خفيّ لا يُدرك بالعقل وحده، بل يُختبر بالوجدان والروح، فهو ليس مجرد مهارة تقنية تُكتسب، ولا هو حرفة تُمارس بآلية روتينية، بل هو علاقة وجودية حية ومتبادلة تنشأ وتنمو بين الفنان من جهة، وفنه وأداته التي يبدع من خلالها من جهة أخرى، وهنا يكمن مفتاح الدهشة والعمق (الفنان - الفن - الأداة).
فكلما توغلت العلاقة بين المبدع وأداته في مناطق عشقه وهاجسه الإبداعي، كلما تلاشت الحدود الفاصلة بينهما لتصبح الأداة امتداداً طبيعياً لجسد الفنان وعقله، وكأنها عصبٌ ثالث أو حاسة جديدة أُضيفت لحواسه الخمس.
فالرسام لا يمسك بالريشة كأداة جامدة، بل هي وسيطه السحري الذي ينقل نبضات قلبه مباشرة على مسطح اللوحة، وكأن الألوان تتدفق من شرايينه لا من الأنبوب.
والمصور لا يتعامل مع الكاميرا كآلة تصوير فوتوغرافي جامدة، بل يجعل من عدسته عيناً ثالثة ترى العالم بعين الشاعر، وتلتقط ما تختبئ خلفه الظلال والضوء. وكذلك النحات لا يصارع الصخر بقسوة، بل يتبادل مع إزميله همسات متأملة لاستنطاق الروح الكامنة في قلب الكتلة الصماء.
هذا التناغم الفريد هو ما يُعرف بـ»الوفاق والاتفاق»؛ حالة من التماهي التام التي تتحول فيها الأداة من جماد أصم إلى شريك وفيّ في رحلة المخاض الإبداعي.
تزخر سجلات الفن العالمي والعربي بشواهد حية تؤكد هذه العلاقة الجوهرية، حيث لعبت الأداة دور البطولة الصامتة في صناعة المعجزات الخالدة، فلم تكن ريشة فان جوخ مثلاً مجرد أداة لتلطيخ القماش، بل كانت مبضعاً جراحياً ينقل قلقه الوجودي وعواصف روحه الهائجة إلى ألوان صارخة تنبض بالحياة.
ثمرة الوفاق
حين يغيب العشق وتفتر العلاقة بين الفنان وأداته، يتحول العمل الفني إلى منتج استهلاكي بارد؛ صناعة بلا روح، وتصاميم بلا ذاكرة، أما حين يشتعل هذا الوفاق، فإن الناتج يحمل بالضرورة خصائص فريدة تكمن في القيمة الصادقة التي لا تخضع لضرورات السوق العابرة، بل تنبع من إلحاح داخلي حقيقي، وبصمة لا يمكن تزييفها أو تقليدها، لأنها مطبوعة بمداد الروح وعرق التجربة، ويبقى قدرة العمل على مخاطبة الأجيال المتعاقبة، محافظاً على شبابه ونضارته مهما طال الزمن.
أخيراً..
إن الاحتفاء بالعلاقة ما بين الفنان وأداته هو في حقيقته دعوة لإعادة الاعتبار لروح الصنعة والإخلاص الفني في عصر طغت فيه الميكنة والسرعة، فحين يلتقي الصدق الإنساني مع الأداة العاشقة، يولد ذلك الإبداع الخالد الذي يلامس أرواحنا، ويترك في طيات الذاكرة الإنسانية أثراً لا يُمحى.










































