اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ أب ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
من تثمين النعم النظرة الإيجابية إليها بألا ينخرط الإنسان في التلهف على المفقود منها ويشغله ذلك عن شكر الحاصل منها، بل يكون نظره دائراً مع النعمة مثمّناً لها، وينظر إلى الكثيرين الذين لم يحظوا بما حظي به، ولا يركز على من فوقه ممن كتب الله تعالى له ما لم يكتبه..
يحيط بالإنسان من نِعم الله ما لا يعلمه إلا الله تعالى، ولا يسع العباد إحصاؤه، وقد قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها)، وما من غبطةٍ يجدها في دينه أو نفسه أو أهله أو ماله إلا وهي نعمةٌ منحه الله تعالى إياها، كما قال تعالى: (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)، ومما يجب أن تقابل به نعمة الله تعالى على عبده أن يوقن الموهوب له بأن الله هو المنعم عليه بهذه النعمة، وأن يثمّنها ويغتبط بها، وأن لا يستهين بشيءٍ منها، وأن يعترف بها لواهبها، مثمّناً لها بالحديث عنها كما قال تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)، ويكون تثمينها بالتحدث بها على وجه الإقرار بها، لا على وجه التفاخر والاستعراض بها بصورةٍ تكسر قلوب من لم يوسّع عليهم بأمثالها، فهذا النوع من الاستعراض قد يؤول إلى الاستهانة بالنعمة؛ لأنه يخرجها من كونها وسيلةً لجلب المصالح ودفع المفاسد، إلى كونها مجردَ آلةٍ للتباهي، والنعمة إنما وهبت للإنسانِ ليجعلها بلاغاً وعوناً، لا ليكسر بها خاطر غيره، كما أن الاستعراض بها يجعلها عرضةً للزوال؛ بسبب الآفات التي تنشأ عن امتداد أنظار الآخرين إلى النعم، كالعين والحسد، ولي مع تثمين النعم وقفاتٌ:
الأولى: تثمين نعم الله تعالى على عبده من أقوى الأسباب المعينة له على محبة الله تعالى وطاعته، فمن أدمن تذكر النعم واستحضار ما أمكن من أنواعها أشرب قلبه إجلال الواهب وشكره؛ فإن النفوس مجبولةٌ على حب من أحسن إليها، وإذا انشرح صدره لمحبة مولاه سهلت عليه طاعته والانقياد لأوامره واجتناب نواهيه، فهذه جبلّةٌ بشريةٌ أخرى، فالمحبة تقتضي الانقياد والطواعية، كما قال القائل: (إن المحبّ لمن يحبّ مطيع)، قال بعض أهل العلم: 'الرجل إذا تذكر سالف أيادي الله وأيادي رسوله -صلى الله عليه وسلم- وما منَّ عليه أن هداه للإسلام، وأنقذه من الضلالة، وعرَّفه الأسباب التي توخيه إلى النجاة من عذاب الأبد والخلود في جهنم، وغير ذلك من النعم التي وصلت إليه به مما لا كفاء لها، ولا استحقها من الله لسابقةٍ تقدمت منه إلّا بفضله تعالى، وجب أن يخلص المحبة لله ولرسوله فوق كل شيءٍ من جميع المحابِّ'، وبالمقابل من غفل عن أن هذه النعم من الله تعالى دخل في دربٍ مظلمٍ من الغفلةِ، ويصل أسفل الدركات إذا انتهى إلى مرحلة التنكّر، وتجرأ على جحد أن تكون النعمة من الخالق سبحانه وتعالى، ونسب الفضل إلى نفسه، كقول قارون لما ذكّر بإنعام الله تعالى عليه: (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي)، فهذا منتهى الاستهانة بالنعمة؛ لأن فيه صرفها من كون مصدرها إنعام الخالق إلى كون مصدرها حيلة المخلوق، وفي هذا تقليلٌ من شأنها.
الثانية: من تثمين النعم النظرة الإيجابية إليها بألا ينخرط الإنسان في التلهف على المفقود منها ويشغله ذلك عن شكر الحاصل منها، بل يكون نظره دائراً مع النعمة مثمّناً لها، وينظر إلى الكثيرين الذين لم يحظوا بما حظي به، ولا يركز على من فوقه ممن كتب الله تعالى له ما لم يكتبه، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَلا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) أخرجه مسلمٌ، وكذلك إذا ألمَّ بالإنسانِ مكروهٌ نظر إلى ما صرف عنه من تفاقم هذا المكروه، ومن بقية المآسي التي عوفي منها، وانشغل بشكر الله تعالى على ما صرفه عنه من البلاء، وأحسن من قال: (رضيت ببعض الشر خوف جميعه.. حنانيك بعض الشر أهون من بعض)،
الثالثة: أولى خطوات تثمين النعمةِ شكر الله تعالى عليها، وشكره على نعمه تتحقق به مصالح كثيرةٌ، منها أداء العبد بعض حق مولاه، ومنها صيانة النعمة والتسبب في زيادتها؛ فإن شكرها سببٌ لهذا، كما قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)، ومن شكر النعم شكر الإنسان الذي وصلت النعمة على يده، سواءٌ كانت فضلاً عامّاً كالنعم التي تصل إلى الشعب بواسطة وليّ الأمر ومن ينوب عنه، أو كانت فضلاً خاصّاً كالأفضال التي يسديها آحاد الناس بعضهم إلى بعضٍ، فكل هذه النعم يستحق من بذلها من الناس أن يشكر، وأن يعرف له حق الإنعام، وما قدّر نعمة الله تعالى من لم يشكر عليها المحسن بها من الناس، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ)، أخرجه أبو داود، وصححه الألباني، ولا يعفي الإنسان من الشكر كون الإحسان حقّاً واجباً له على من بذله له، فالولد يستحقّ على أبويه الرعاية والتنشئة والنفقة، ومع ذلك أمره الله تعالى بشكرهما، فقال: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)، فمن الخطأ أن يقول أحد الزوجين أو الشريكين للآخر: لا أشكرك لأن ما أديته حقٌّ لي عليك، فالوفاء بمقتضى العقود والمواثيق إنصافٌ يستحق من قام به أن يعترف له بفضيلته.










































