اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
كثيرًا ما نسمع اليوم عن 'الهشاشة النفسية' عند الشباب، وكأننا أمام جيل لم يعد قادرًا على تحمل صعوبات الحياة. لكن من الإنصاف ألا نعمم أو نقسو في الحكم. فالهشاشة النفسية ليست مرضًا نفسيًا، وإنما هي حالة يجد فيها الإنسان صعوبة في تحمل الضغوط، ويتأثر بسرعة بالنقد أو الفشل، ويحتاج إلى وقت أطول حتى يستعيد هدوءه وتوازنه. وقد يمر الإنسان بهذه الحالة في فترة من حياته ثم يتجاوزها.
ولعل ما يلفت النظر أن بعض الشباب يتعامل مع مشكلاته اليومية، وكأنها أكبر من قدرته على الاحتمال. فقد يتحول تأخر الحصول على وظيفة إلى شعور بأن المستقبل انتهى، أو تتحول ملاحظة من أستاذ أو مسؤول إلى جرح كبير، أو يصبح انتهاء علاقة عاطفية وكأنه نهاية للحياة. المشكلة ليست في أن نحزن أو نتألم، فهذا أمر طبيعي، وإنما في أن نعطي المشكلة أكبر من حجمها، ونسمح لموقف عابر بأن يسيطر على حياتنا.
وبحكم مشاهداتي اليومية في الجامعة، أرى أن بعض الطلبة لا تكون المشكلة التي يواجهونها هي الأصعب، بقدر ما تكون طريقة تعاملهم معها هي الأصعب. فقد يتحول تعثر دراسي بسيط، أو ملاحظة أكاديمية، أو تأخر في إنجاز مهمة إلى مصدر قلق شديد، يجعل الطالب ينظر إلى مستقبله كله من خلال تلك اللحظة.
وتزداد المشكلة مع وسائل التواصل الاجتماعي؛ فالشاب يرى يوميًا صور النجاح والسفر والزواج والوظائف والمشروعات، لكنه لا يرى غالبًا التعب والفشل والقلق الذي سبق هذه النجاحات. وهكذا يقارن حياته بكل تفاصيلها بصور مختارة من حياة الآخرين، فيشعر بأنه متأخر، وأن الجميع يتقدمون بينما هو في مكانه. والحقيقة أن لكل إنسان ظروفه ووقته وطريقه الخاص.
وللأسرة دور مهم في ذلك. فنحن نحب أبناءنا ونريد حمايتهم، لكننا أحيانًا نحميهم أكثر مما ينبغي؛ فنحل مشكلاتهم، ونتدخل عند كل خلاف، ونزيل العقبات من طريقهم. ومع الوقت قد يصبح الشاب أقل قدرة على مواجهة الحياة بنفسه. فالإنسان يتعلم القوة عندما يجرب، ويخطئ، ويفشل، ثم يحاول من جديد.
وفي الوقت نفسه، علينا ألا نبالغ في تفسير المشاعر الطبيعية. فليس كل حزن اكتئابًا، وليس كل قلق مرضًا، وليس كل فشل أزمة نفسية. الحزن بعد الفقد، والقلق قبل الاختبار أو مقابلة العمل، والإحباط بعد الفشل، كلها مشاعر طبيعية. المهم أن نستطيع تجاوزها، وأن نطلب المساعدة المتخصصة عندما تصبح المعاناة شديدة أو طويلة، وتؤثر في حياة الإنسان.
إن ما نحتاجه ليس شبابًا لا يتألمون، فهذا غير ممكن، وإنما شبابًا يعرفون كيف يتعاملون مع الألم والمشكلات. نحتاج أن نعلم أبناءنا أن الخطأ فرصة للتعلم، وأن الفشل ليس نهاية الطريق، وأن رفض فرصة لا يعني رفض الإنسان، وأن انتهاء علاقة لا يعني انتهاء الحياة. كما نحتاج إلى أن نشاركهم التفكير في الحلول، لا أن نحل كل شيء نيابة عنهم.
فالصلابة النفسية لا تعني ألا نحزن أو نبكي، وإنما أن نتألم دون أن ننكسر، وأن نسقط ثم ننهض من جديد. فالحياة فيها نجاح وفشل، وفرح وحزن، وتأخر ووصول. وأهم ما يمكن أن نغرسه في أبنائنا أن المشكلة ليست في أن تواجهنا الحياة بصعوباتها، وإنما في أن نفقد الثقة بقدرتنا على مواجهتها.
———————————–
أستاذ علم النفس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة










































