اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦
د. مشاري النعيم
في عالم تتسارع فيه الخوارزميات أكثر من قدرة البشر على اللحاق بها، يصبح بناء الوعي الأخلاقي هو الشرط الوحيد لضمان ألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مستقبل يكتب نفسه دون الإنسان، بل إلى مستقبل يكتبه الإنسان وهو أكثر وعيًا بمسؤوليته تجاه المعرفة وتجاه العالم الذي يريد أن يصنعه..
لا يبدو مأزق أخلاقيات الذكاء الاصطناعي مجرد نقاش تقني حول حدود خوارزميات تتسارع بلا توقف، بل هو سؤال أعمق عن قدرة الإنسان على الحفاظ على مكانه داخل عالم يعيد تشكيل المعرفة والسلطة في آن واحد. فالتقنية اليوم لا تكتفي بتغيير أدوات العمل، بل تغيّر طبيعة الإنسان نفسه، وتضعه أمام واقع يصبح فيه الذكاء البشري مجرد جزء صغير داخل منظومة أوسع لا يفهم تمامًا آلياتها ولا يملك السيطرة على اتجاهاتها. ولهذا جاء انعقاد المنتدى العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض الأسبوع الفائت بوصفه لحظة تكشف أن المملكة لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كمنجز تقني فحسب، بل كقضية أخلاقية تمس جوهر العلم، وتستدعي بناء لغة جديدة قادرة على مواجهة هذا التحول دون أن يفقد الإنسان يقينه أو دوره في صياغة المستقبل.
وفي هذا السياق، لم يكن حضور الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي 'سدايا' والمركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي 'ICAIRE' في مشهد الذكاء الاصطناعي مجرد مشاركة مؤسسية، بل كان إشارة واضحة إلى أن المملكة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه قضية أخلاقية قبل أن يكون قضية تقنية. فالمؤسسات التي تقود هذا التحول لا تكتفي ببناء المنصات أو تطوير الخوارزميات، بل تحاول أن تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والتقنية في زمن تتسارع فيه التحولات إلى حد يهدد المعنى نفسه. ولهذا جاء المنتدى المتخصص الذي نُظم في الرياض وكأنه محاولة لفتح نقاش أعمق حول المأزق الذي يواجهه العالم اليوم: مأزق يجعل الذكاء البشري، في كثير من الأحيان، مجرد مساعد داخل منظومة لا يفهم تمامًا حدودها. إن اهتمام المملكة بهذا الجانب الأخلاقي لا يعكس وعيًا بالمخاطر فحسب، بل يعكس رغبة في أن يكون الإنسان جزءًا من صياغة المستقبل، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
وفي هذا الإطار الذي تتقدّم فيه المملكة نحو بناء لغة أخلاقية جديدة للتقنية، تبدو جائزة اليونسكو – عبدالله الفوزان الدولية امتدادًا طبيعيًا لهذا الوعي، لا بوصفها جائزة تُمنح للفائزين، بل بوصفها مشروعًا يعيد وضع العلماء الشباب داخل مشهد عالمي يبحث عن معنى. وحضور اسم الجائزة في هذا المنتدى ليس تفصيلًا إداريًا، بل إعلان صريح أن العلم لا يمكن أن ينفصل عن قيمه، وأن بناء مستقبل الذكاء الاصطناعي يبدأ من الإيمان بأن المعرفة مسؤولية قبل أن تكون إنجازًا. فالجائزة، بما تحمله من رؤية، لا تكتفي بتكريم الإنجاز العلمي، بل تحاول أن تمنح العلم يقينه الأخلاقي في زمن تتداخل فيه الحدود بين المعرفة والسلطة، وبين الابتكار والمسؤولية. إنها تقول، بطريقة لا تحتاج إلى خطاب مباشر، إن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يُصنع بالخوارزميات وحدها، بل بالعلماء القادرين على فهم أن التقنية، مهما اتسعت، تحتاج إلى ضمير يحميها من التحول إلى قوة بلا معنى.
ولعلّ هذا ما يجعل الجائزة جزءًا من مشروع أكبر تتبناه المملكة اليوم؛ مشروع لا يكتفي بمواجهة مأزق أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بل يحاول أن يمنح العلم يقينه الأخلاقي من جديد، وأن يعيد للإنسان مكانه داخل هذا التحول الذي لا يعترف بالثبات. ففي النهاية، ليست المشكلة في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في قدرتنا على صياغة لغة أخلاقية تحمي الإنسان من أن يتحول إلى مجرد مساعد داخل منظومة لا يفهم تمامًا حدودها. والجائزة، بما تمثّله من رؤية، تبدو واحدة من أهم المحاولات الجادة لصنع هذه اللغة. وفي لحظة تتقدّم فيها التقنية بلا تردّد، يبقى السؤال الأخلاقي هو الشيء الوحيد الذي يعيد للإنسان قدرته على أن يكون حاضرًا في مستقبلٍ لم يُكتب بعد.
ومع كل هذا الحراك الذي تشهده الرياض اليوم، يبدو أن العالم يقف أمام منعطف لا يشبه ما سبقه؛ فالتقنية لم تعد مجرد أدوات تُطوَّر في المختبرات، بل أصبحت قوة تعيد تشكيل علاقتنا بالمعرفة وبأنفسنا، وتفرض على المجتمعات أن تعيد التفكير في معنى التقدم ذاته. إن الذكاء الاصطناعي، بكل ما يحمله من وعود، يضعنا أمام سؤال لا يمكن تجاهله: كيف نصنع مستقبلًا لا يفقد فيه الإنسان مركزه ولا يتحول فيه العلم إلى قوة منفصلة عن قيمه؟ ولهذا فإن الجهود التي تبذلها المملكة اليوم، من خلال مؤسساتها الوطنية ومبادراتها الدولية، ليست مجرد استجابة لواقع تقني جديد، بل محاولة لصياغة نموذج أخلاقي يضمن أن يكون الإنسان حاضرًا في قلب هذا التحول، لا على هامشه. وفي عالم تتسارع فيه الخوارزميات أكثر من قدرة البشر على اللحاق بها، يصبح بناء هذا الوعي الأخلاقي هو الشرط الوحيد لضمان ألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مستقبل يكتب نفسه دون الإنسان، بل إلى مستقبل يكتبه الإنسان وهو أكثر وعيًا بمسؤوليته تجاه المعرفة وتجاه العالم الذي يريد أن يصنعه.










































