اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. زينب الخضيري
هل نستطيع الآن تحويل هذا الحراك إلى حياة أفضل للكاتب، وسوق أقوى للكتاب، وحضور عالمي مستدام للأدب السعودي؟ ربما لم يعد السؤال الثقافي في السعودية اليوم: هل لدينا حراك أدبي؟ فالحراك موجود، واضح، ومتسع، السؤال الأصعب هو: ماذا سنفعل بكل هذا الحراك؟ ذلك أن الثقافة لا تصبح قوة بمجرد أن تزدحم قاعاتها، ولا يتحول الأدب إلى صناعة بمجرد أن تتكاثر معارض الكتب، كما أن الكاتب لا يصبح عالمياً لأن روايته عُرضت أياماً في جناح دولي، ثمة مسافة طويلة بين أن تكون الثقافة مرئية وأن تصبح مؤثرة، وبين أن يحضر الكتاب في المعرض وأن يدخل فعلاً في دورة النشر والتوزيع والقراءة والحقوق خارج حدوده المحلية، وهنا يبدو المشهد السعودي اليوم في لحظة مهمة، فقد تجاوزنا إلى حد كبير سؤال صناعة الحراك، وأصبح السؤال هو صناعة الأثر.
وتكشف الأرقام الرسمية لمبادرة 'ترجم' عن إنجاز يستحق التوقف عنده: أكثر من 2700 كتاب دعمت المبادرة ترجمتها، بينها أكثر من 450 كتاباً سعودياً تُرجم إلى 22 لغة عالمية، إلى جانب أكثر من 350 منحة لترجمة الكتب السعودية، كما شارك في أعمال الترجمة أكثر من ألف مترجم من 48 دولة. هذه أرقام كبيرة وعظيمة، لكنها تقودنا إلى السؤال الأصعب: ماذا يحدث للرواية السعودية بعد ترجمتها؟ فالترجمة ليست خط النهاية، وإنما نقطة البداية، فقد يصبح لدينا كتاب سعودي باللغة الفرنسية أو الإنجليزية أو الصينية، لكن وجود النسخة المترجمة لا يعني تلقائياً وجود قارئ فرنسي أو بريطاني أو صيني لها، الكتاب يحتاج بعد الترجمة إلى ناشر يعرف سوقه، وموزع يضعه في المكتبات، وناقد يكتب عنه، ومهرجان يدعو مؤلفه، ووكيل أدبي يتابع حقوقه، وحملة إعلامية تجعله مرئياً وسط آلاف الكتب التي تصدر كل عام.
ومن هنا ينبغي أن ينتقل سؤالنا من: كم كتاباً ترجمنا؟ إلى: كم كتاباً سعودياً صنع حياة ثانية في اللغة التي انتقل إليها؟ والفرق بين السؤالين هو الفرق بين مشروع ترجمة ومشروع حضور ثقافي عالمي.
السؤال الأصعب: هل نحن نترجم الكتاب السعودي، أم أننا نصنع له قارئاً عالمياً؟ فالكاتب ليس ضيفاً في الصناعة؛ لأن هناك مسألة أكثر عمقاً تتعلق بموقع الكاتب نفسه، عندما تنتهي مهمته تقريباً عند تسليم المخطوط، لكن صناعة الكتاب الحديثة مختلفة تماماً، فالكاتب جزء من شبكة اقتصادية تبدأ بالنص ولا تنتهي عند المكتبة: محرر، وناشر، ووكيل أدبي، ومصمم، ومسوق، وموزع، ومترجم، ومدير حقوق، ومنصات رقمية وصوتية، ولذلك فإن الحياة الأفضل للكاتب السعودي لا تعني فقط منحه مساحة أكبر للظهور، وإنما تحويل موهبته إلى مسار مهني مستدام.










































