اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٩ حزيران ٢٠٢٦
سامي بن أحمد الجاسم
في المشهد الثقافي والأدبي، لا يُنظر إلى العنوان بوصفه مجرد عبارة تعريفية توضع على ملصق أو إعلان عن نشاط أدبي أو فعالية ، بل باعتباره المدخل الأول إلى الفكرة، والجسر الذي يربط بين المنظم والمتلقي. ومن خلاله تتشكل الانطباعات الأولى، وتُبنى التوقعات، ويتحدد قرار الحضور أو المتابعة.
ولهذا أصبح اختيار العناوين جزءًا مهمًا من صناعة الفعالية الثقافية والأدبية وتسويقها.
لكن ثمة سؤال يفرض نفسه: هل ما زال العنوان يؤدي دوره بوصفه مرآة للمحتوى، أم أصبح في بعض الأحيان أداة جذب منفصلة عن المضمون؟
المتأمل في بعض اللقاءات والأمسيات الثقافية يلاحظ أن العنوان قد يكون الأكثر إبداعًا في الفعالية كلها.
عنوان يثير التساؤلات، ويحمل أبعادًا فكرية أو أدبية واسعة، ويَعِدُ الجمهور بحوار مختلف أو تجربة معرفية استثنائية.
غير أن المتلقي يفاجأ أحيانًا بأن ما يطرح على المنصة لا يعكس تلك الوعود، أو لا يقترب منها بالقدر الذي كان يتوقعه.
ولا تكمن المشكلة في اختلاف وجهات النظر أو تنوع أساليب الطرح، فذلك جزء طبيعي من العمل الثقافي، وإنما في اتساع المسافة بين ما يقوله العنوان وما يقدمه المحتوى.
فكلما اتسعت هذه المسافة، تراجع أثر الفعالية، مهما كانت جودة التنظيم أو حجم الحضور.
والسؤال هنا لا يتعلق بعنوان بعينه أو فعالية محددة، بل بثقافة عامة بدأت تتسلل إلى بعض الأنشطة الثقافية؛ ثقافة المراهنة على بريق العنوان أكثر من المراهنة على قوة المضمون وهذا ما يخلق فجوة بين واقع العنوان ومحتوى المضمون.
وكأن المهمة تنتهي عند إقناع الجمهور بالحضور من خلال العنوان الجذاب بينما يفترض أن تبدأ من تلك اللحظة لا أن تنتهي عندها.
إن الجمهور الثقافي والأدبي اليوم أكثر وعيًا وقدرة على التقييم من أي وقت مضى.
فهو لا يحضر بحثًا عن العبارات الرنانة، بل عن المعرفة والفكرة والتجربة.
ولذلك فإن نجاح أي لقاء لا يقاس بعدد الصور المنشورة عن الفعالية أو الحضور المسجلين بها، وإنما بما يتركه من أثر في الوعي، وما يضيفه إلى النقاش الثقافي، وما يقدمه من قيمة حقيقية للمتلقي .
ومن زاوية أخرى، فإن العنوان الصادق لا يعني العنوان الجامد أو التقليدي.
فمن حق المنظم أن يختار عنوانًا جذابًا ومبتكرًا، لكن من واجبه أيضًا أن يكون هذا العنوان معبرًا عن جوهر ما سيطرح أو ما سيقال .
فالإبداع في الصياغة لا ينبغي أن يكون على حساب المصداقية، والجاذبية لا ينبغي أن تكون بديلًا عن الوضوح ، فهما الأهم .
إن الثقافة في جوهرها علاقة ثقة بين المرسل والمتلقي. وكلما انسجم العنوان مع المحتوى تعززت هذه الثقة، وازدادت قيمة الفعالية وأثرها. أما حين يصبح العنوان شيئًا والمحتوى شيئًا آخر، فإن الخسارة لا تقع على الحضور وحدهم، بل تمتد إلى صورة المشهد الثقافي والأدبي نفسه الذي يركز على عناوين الجذب .
ولهذا يبقى العنوان الحقيقي لأي أمسية أو ملتقى أدبي أو ثقافي هو ما تقدمه من فكرة وأثر، لا ما ترفعه من شعارات أو عبارات براقة.
فالعنوان قد يجذب الأنظار للحظة، لكن المحتوى وحده هو القادر على أن يبقى في الذاكرة.










































