اخبار الاردن
موقع كل يوم -الوقائع الإخبارية
نشر بتاريخ: ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
الوقائع الإخباري-م. صلاح طه عبيدات /خبير المواصفات والمقاييس.
في هذا العالم المترامي، المليء بالضجيج والتغيرات المتسارعة، يخوض الإنسان رحلته اليومية بحثاً عن 'نقطة ارتكاز'. نقطة هادئة وثابتة وسط سيل الفوضى، يطمئن إليها حين يضغط زرّ الإضاءة في غرفته، أو يتناول دواءه في موعده، أو يستقل حافلة للوصول إلى مقصده، أو يرسل بياناً رقمياً يطوف الكوكب عبر الأثير في أجزاء من الثانية.
نحن نعيش هذه الطمأنينة اليومية كأنها تحصيل حاصل، ونمرّ عليها دون أن نتوقف لنفكر في الهيكل الخفي الذي يسندها. خلف هذا الأمان الضمني الصامت تقف فلسفة صلبة وشديدة العمق... فلسفة تُسمى 'التقييس'.
لو تُرك الكون لقوانين المادة المجردة دون تدخل عاقل، لكانت الفوضى هي الأصل، ولكان التشتت هو السمة السائدة. غير أن العقل الإنساني—منذ أن بدأ يرسم حدوده على أرض هذا الكوكب—أدرك أن البقاء والازدهار لا يتحققان إلا بالترتيب والعدل.
من هنا لم يكن 'المعيار' مجرد رقمٍ سُجّل على ورقة رسمية، ولا قائمة جافة من الشروط الفنية والصناعية الصارمة؛ إن المعيار في جوهره الفلسفي هو 'لغة تفاهم إنسانية جامعة' صاغتها العقول البشرية لكي تتحدث بها الآلات، والمختبرات، والأنظمة في كل مكان دون الحاجة إلى مترجم.
إنه الجسر الخفي الذي يربط الشرق بالغرب، والماضي بالمستقبل. إنه الفكر الذي يحوّل الشتات إلى تناغم، ويجعل المنتج المصنوع في أقصى الأرض يتكامل بنعومة وأمان مع احتياج الإنسان في أقصى طرفها الآخر.
وحين نعود إلى تاريخ الحضارات، نجد أن التقييس كان دائماً قرين الحضارة ونواة المدنية. فقبل أن تظهر المصانع وتتعقد التكنولوجيا، كان ضبط الموازين والمكاييل هو أول اختبار لأخلاقيات المجتمعات وعدالتها.
واليوم، يمتد هذا المفهوم الأخلاقي ليشمل كل أبعاد الحياة الحديثة؛ فعندما نلتقي عند المواصلة القياسية المحُددة، نحن لا نزن الأشياء بموازينها الفنية فحسب، بل نزن الثقة. الثقة التي تجعل التجارة عادلة، والمنافسة شريفة، والمستهلك آمنًا على حياته وماله. كما أصبحت المعايير اليوم صمّام أمان لحماية البيئة وتقليل الهدر؛ فهي تنظم استخدام الطاقة، وتضبط الانبعاثات، وتضمن أن ابتكارات اليوم لا تدمّر مقدرات الغد. فضلاً عن ذلك، لا يحدّ التقييس من الإبداع كما يظن البعض، بل يوفر للعلماء والمبتكرين أرضية صلبة وآمنة يبدأون منها رحلتهم نحو الاكتشافات الجديدة، تماماً كالقواعد الموسيقية التي لا تقيد العازف بل تمنحه المساحة ليعزف أجمل الألحان.
إن المواصلة القياسية في نهاية المطاف هي التجسيد المادي لفكرة 'العدالة الفنية'، والقياس هو أصدق مظاهر التناغم بين العلم والإنسانية.
وفي هذه المناسبة العالمية الشريفة—يوم التقييس العالمي—التي يُحيي فيها العالم عقولاً وجهوداً تعمل بصمت لضبط إيقاع الحياة وحمايتها، يسعدني ويشرفني أن أوجّه أسمى آيات التقدير والاعتزاز والتحايا العطرة إلى زملائي وزميلاتي الأفاضل في مديرية التقييس بـ 'مؤسسة المواصفات والمقاييس الأردنية'.
إلى حراس الجودة الوطنية، والجنود المجهولين الذين يسهرون على دقّة التفاصيل، ويعملون بشغف وتفانٍ ليكون 'المعيار الأردني' علامة فارقة للتميز والأمان والموثوقية...
دمتم السند الأمين لسلامة الوطن، واليد المبدعة التي تضع الأردن دائماً في مصاف الدول الرائدة المرموقة في المحافل الإقليمية والدولية. كل عام وأنتم وبصماتكم التنويرية بألف خير، ودمتم صُنّاع الثقة وجسر الأمان في هذا الوطن العزيز.












































