اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
يتغنَّى كل الفلاسفة على مرّ العصور وجميع من ينادى بالحرِّية منذ قديم الأزل بشعار متطابق؛ ألا وهو «وجوب إعمال الإرادة الحرَّة من أجل أن يمتلك الفرد الشجاعة الكافية للتعبير عن رأيه، وكذلك للوقاية من الوقوع تحت سيطرة أحدهم يومًا». وذلك فيما يبدو الشرط الذي لا يختلف كثيرًا عن تحقيق المستحيل. فعندما نادى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844-1900م) بأهمية التمسك بالإرادة الحرَّة، أقرّ تقريبًا في جميع نظرياته الفلسفية أن القادر على مواجهة عواقب إعمالها كما ينبغي سيرقى لمرتبة «السُّوبرمان». وتوافقًا مع تلك النظرة الواقعية للأمور، فعند النظر للإنسان ذاته، يلاحظ أنّ حتى وجوده على ظهر الأرض لا يساعده على فرض صورته وشخصيته التي يرى نفسه فيها. وللإنسان ثلاث هيئات قد تختلف كل منهم تمامًا عن الأخرى: الأولى هي الهيئة التي خلقه الله عليها؛ والثانية تعبِّر عن نظرة الآخرين له، أمَّا الأخيرة فهي كيف ينظر الإنسان لنفسه.
والنظرة الأخيرة تلك تعد هي الأهم والأقوى، التي يرسم المرء من خلالها قدره، وقد يستطيع أيضًا من خلالها أن يخالف الصورتين سالفتي الذِّكر؛ علمًا أنه من خلالها يمكن إمَّا بلوغ برّ النجاح أو الوقوع في هوَّة الفشل. ومن أجل تحقيق الإرادة الحرَّة، التي تعبِّر عنها الهيئة الثّالثة، يجب أن يتمتَّع الفرد بعناد هائل ومثابرة وصبر يحارب بها جميع الظروف المحيطة ونظرة المجتمع له.
وإحدى الشخصيَّات الأدبية الفريدة التي حاربت ظروفها المجحفة في جميع مراحل حياتها واستطاعت فرض إرادتها الحرَّة، حتى في أصعب الظروف وأشدها قسوة، هو الأديب والمفكِّر والشَّاعر والصحافي المصري عبَّاس محمود العقَّاد (1889-1964م)، الذي آمن بنفسه التي يراها، وسكن إلى أفكاره مستمسكًا بخصلة التمرُّد والعناد والثبات على الرأي، حتى ولو عند مواجهة أعلى السُّلطات.
فلم تؤهلُّه البيئة المتواضعة التي نشأ فيها أن يتلقَّى تعليمًا يتجاوز المرحلة الابتدائية، وأيضًا لم تؤهله ظروفه المادية أن يتفرَّغ للمطالعة والكتابة كما يهوى؛ فقد كان لزامًا عليه أن ينحِّي شغفه جانبًا ويسعى إلى كسب قوته. ولهذا، اشتغل موظفًا بهيئة السكك الحديدية على آلة التلغراف، وبعدها عُيّن في وظيفة «كاتب» بالحكومة. لكنه كان يشعر بداخله أنه يهين إرادته وشغفه، ولهذا تميَّز بسوء السلوك مع رؤسائه؛ لأنه كان يرفض تنفيذ أوامرهم. وانتهى به المطاف بالاستقالة طوعًا وفق إرادته الحرَّة من وظيفة الحكومة تلك، ليصبح بذلك أول مصري يستقيل من وظائف الحكومة التي كان يتمناها أي شاب ويحلم بها وقتذاك.
وتبدَّلت شخصيته تلك للأفضل عندما عمل في البيئة المُناسبة التي ترضي شغفه، في قسم التحرير بديوان الأوقاف، الذي كان يترأسه الكاتب الكبير محمّد المويلحي، وكان زملاؤه زمرة من الأدباء والشعراء. ومن ثمَّ، التزم بوظيفته الجديدة بنفس راضية، ولكنه لم يقنع بهذا المنصب مآلاً؛ فقد كانت عيناه دائماً ترنوان للعمل في الصحافة لنيل الحريَّة الكاملة وللتعبير عن تمرُّده. وبالفعل، حقق ما يصبو إليه، ولمع نجمه صحافياً سياسياً ذا قلم حرّ لا يستطيع أن يكبِّله أحد، ومفكِّراً فلسفياً لا يقنع بالمظاهر. وبالرغم من جديته، كان يتمتَّع بروح من السخرية والفكاهة الرصينة التي لا يستطيع أن يماريه فيها أحد، وكان يطبِّق هذا النهج حتَّى فيما بينه وبين نفسه.
ومن أهمّ مفارقاته الفكاهية السَّاخرة التي يمازح بها نفسه، أنَّ شخصه المتمرِّد الذي لا يستطيع أحدهم تكبيل كلمة الحقّ النَّارية التي يخطَّها قلمه، كان شغوفًا بالكتابة بأقلام «الكوبيا» التي يستحيل محو ما يُكتب بها، وأنه عند الكتابة كان يحرص أن تكون أمامه حزمة منها، مع عدم التفريط بأي من تلك التي نبذ الكتابة بها. وأمَّا المزحة، فأن العقَّاد الذي كان من شأن مقالاته إسقاط شخصيات سياسية بارزة وتبديل حكومات، كان يحتفظ بالقلم الذي أسقط به شخصًا أو وزارة، ويكشط الجزء الأسفل منه، ويكتب على الجزء المكشوط اسم الشخصية أو الوزارة التي أسقطها؛ ولهذا تتفاوت أطوال الأقلام تبعًا لعدد المقالات التي كتبها بنفس القلم من أجل الإطاحة بمن رأى أنه يجب أن يرحل.
وبلغ به العناد أنه تجرَّأ على إهانة الملك ذاته، بتصريحه أن من يحاول فرض قيود على الحريَّة يستحق سحق رأسه، مناوئًا بهذا أوامر الملك. ورغم أنه عوقب على إهانة الذَّات الملكية بتسعة أشهر سجناً، وجد في ذلك فرصة مناسبة لإتقان اللغة الإنجليزية والفرنسية.
عناده ودفاعه عن الحريَّات والإرادة الحرَّة طال حتى الحيوان؛ فقد صار من أشهر المُدافعين عن الحمار، ويعتبر الإساءة له ولطبيعته العنيدة احتقارًا وإهانة لكينونة الحمار وظلماً يقع عليه لمجرَّد فكرة غبية من قبل آخر يحكم عليه دون فهم لدوافعه. ودلل العقَّاد على ذكاء الحمير الشديد وفطنتها وتميُّزها بالصبر والمثابرة في عدَّة مقالات فلسفية. وهذا الرقي تجاه الحمار والدفاع المستميت عنه يسير فيه على نبراس الأديب والمفكِّر الرَّاقي توفيق الحكيم (1898-1987) الذي ألف كتاباً فلسفياً عنوانه «حمار الحكيم». وانضم العقَّاد إلى «جمعية الحمير المصرية» التي أسسها الفنَّان الكبير زكي طليمات، وضمَّت نخبة من المثقفين المتمردين، مثل طه حسين وتوفيق الحكيم. ولم يكن هدف الجمعية الرفق بالحيوان، بل كانت تهدف إلى الدعوة للصبر وخدمة المجتمع دون انتظار مقابل، وتحمُّل المشاق دون تبرُّم، وجميعها صفات يتميَّز بها الحمار. واسم الجمعية الصَّادم غرضه التعبير عن هدف ساخر عميق رافض للظلم والإهانة لمن يخدم المجتمع بإخلاص.
وتوَّج العقَّاد دفاعه العنيد عن الحمار بكتابة قصة قصيرة زانها بعنوان: «أحسن حمار» التي تعدّ من أشهر قصصه القصيرة وأوفرها حظًّا، علمًا بأنه ذو إنتاج أدبي قصصي شبه نادر لا يتعدَّى بضع قصص، ورواية واحدة. وتتميَّز القصَّة بعمق فلسفي وأسلوب فكاهي ساخر يعكس روح العقَّاد وأسلوب تعامله مع الآخرين، من خلال سبر أغوار العلاقات الإنسانية وطبيعة الإنسان المتعددة الوجوه؛ فلقاؤه مع الرَّاقصة الروسية رائعة الجمال يكشف له مدى تمتّعها بثقافة أدبية عميقة ترقى لثقافة كبار الأدباء وأنها عاشقة، مثله، الكاتب الروسي دوستويفسكي. والمفارقة الكبرى أنَّ لقاءه بها كان بوساطة حمار، ولذلك اكتسب العقَّاد لقب «الخبير بشؤون الحمير».
ويمحو العقَّاد الظلم الذي يقع على الحمار بنعته بالغباء عندما يقارن بينه وبين سلوك البشر؛ فالضيف الثقيل الثرثار الذي لا يستطيع التخلُّص منه يعد تجسيدًا واضحًا للهيئة التي يرسمها الآخرون للحمار دون فهم لدوافعه أو تقدير لخصاله الحميدة. وأمَّا المفارقة السَّاخرة الكبرى، فكانت نهاية القصة التي تنتزع قهقهة القارئ عندما يعود هذا الضيف الثرثار لمنزل العقَّاد لإتمام اللقاء. بيد أن الصديقة الروسية تفتح له الباب وتدَّعي أنها خادمة، وأنّ «العقَّاد» ترك مسكنه. ويتوقَّع بطل القصة، أي العقَّاد، أنّ ذاك الرجل قد لا يخجله أن يعود سائلًا إيَّاها بأن تصحبه للمسكن الذي انتقل له.
التعبير عن الذَّات بصراحة في جميع مقالات العقَّاد وأعماله الأدبية والفكرية والنقدية، التي في أغلب الأوقات وإن لم يكن جميعها، تخالف المألوف، تعدّ تعبيرًا صارخًا لتفرُّده وتميُّزه، وتوضح أن العناد منهاجه، والتحدِّي شيمته وسلاحه الذي يحارب به الظلم ويقتنص به الحرِّية.












































