اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ أب ٢٠٢٦
أ.د. هاشم بن عبد الله النمر
مع بداية العام الدراسي الجديد 1448هـ، باشرت منظومة التعليم في المملكة الدخول في مرحلة جديدة، في ظل نظام تعليمي حديث من المنتظر أن تكتمل خلال الأشهر الستة المقبلة لوائحه التنفيذية وأحكامه التفصيلية، إلى جانب العقود والضوابط المنظمة لتطبيقه. ويمثل النظام الجديد تحولًا تشريعيًا مهمًا، بعد إلغائه وثيقة سياسة التعليم التي ظلت مرجعًا للمنظومة التعليمية لنحو ستة عقود، ليأتي متوافقًا مع التحولات التنموية والاقتصادية التي تشهدها المملكة، ومنسجمًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ويؤسس النظام لمرحلة مختلفة في تطوير قطاع التعليم، تقوم على رفع جودة المخرجات التعليمية، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتنويع مصادر التمويل، وتوسيع مجالات مشاركة القطاع الخاص في تطوير وتشغيل الأصول والمؤسسات التعليمية. ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على الجانب التنظيمي، بل تمتد إلى تعزيز كفاءة القطاع واستدامته، وفتح المجال أمام استثمارات جديدة تسهم في تطوير البنية التحتية التعليمية، وتدعم جودة الخدمات، وتخفف من الأعباء التمويلية على الدولة.
وتأتي هذه التحولات في وقت يشهد فيه سوق التعليم في المملكة نموًا متسارعًا، إذ تجاوز حجم السوق 109 مليارات ريال، مع توقعات باستمرار هذا النمو خلال السنوات المقبلة. كما خُصص لقطاع التعليم نحو 202 مليار ريال، تمثل قرابة 16% من إجمالي الإنفاق العام للدولة البالغ 1.313 تريليون ريال. وتعكس هذه الأرقام المكانة الاستراتيجية التي يحتلها التعليم في الاقتصاد الوطني، باعتباره قطاعًا أساسيًا لبناء رأس المال البشري، وفي الوقت نفسه مجالًا واسعًا للاستثمار والتنمية.
وتكشف المؤشرات السكانية والاجتماعية عن فرص كبيرة يمكن أن يوفرها النظام الجديد للمستثمرين في القطاع. فالمملكة تضم نحو 4.5 مليون طفل سعودي، إضافة إلى قرابة 1.5 مليون طفل من المقيمين تقل أعمارهم عن تسع سنوات، بما يشكل قاعدة سكانية واسعة تمثل الجيل الذي ستنعكس عليه آثار التطورات التعليمية خلال السنوات المقبلة. ويعزز هذا الحجم من الطلب فرص التوسع في المدارس والخدمات التعليمية، إلى جانب التعليم المبكر والحضانات والخدمات المساندة.
كما تضم المملكة نحو 31,412 مدرسة، تستحوذ المدارس الحكومية على نحو 76.6% منها. ويمثل هذا الحجم من الأصول التعليمية فرصة لتطوير نماذج جديدة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، خصوصًا في مجالات إنشاء المرافق وتطويرها وتشغيلها وإدارتها، وفق الأطر التنظيمية التي يتيحها النظام الجديد. ومن شأن هذه الشراكات أن تسهم في رفع كفاءة استغلال الأصول الحكومية وتحسين جودة الخدمات، بما يتوافق مع التوجهات الرامية إلى تعزيز كفاءة الإنفاق وتوسيع دور القطاع الخاص.
وتبرز كذلك فرص استثمارية واعدة في مجال الطفولة المبكرة، والحضانات، ومراكز الرعاية والتعليم المبكر، مدفوعة بالارتفاع الملحوظ في مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل، التي بلغت 36.2% خلال الأعوام الخمسة الماضية، بالتزامن مع انخفاض معدلات البطالة بين النساء إلى مستويات تاريخية. ويؤدي التوسع في هذه الخدمات دورًا مهمًا في دعم الأسر العاملة، وتوفير بيئة مناسبة للأطفال، وتعزيز قدرة المرأة على الاستمرار في سوق العمل والمشاركة في النشاط الاقتصادي.
ومن ناحية أخرى، يبلغ عدد سكان المملكة نحو 34.5 مليون نسمة، من بينهم قرابة 15 مليون مقيم، ما يخلق طلبًا متنوعًا على أنماط التعليم، خاصة المناهج الدولية والمدارس العالمية والحلول التعليمية القائمة على التقنيات الحديثة. وتشير التقديرات إلى حاجة السوق إلى نحو 1,200 مدرسة خاصة، إلى جانب إنشاء مراكز متخصصة لتطوير مهارات القوى العاملة وتأهيلها في قطاعات حيوية، من بينها اللوجستيات والصناعة والتقنية والرعاية الصحية. ويعكس ذلك الحاجة المتزايدة إلى نماذج تعليمية وتدريبية أكثر ارتباطًا بمتطلبات الاقتصاد وسوق العمل المستقبلية.
ومن المتوقع أن يسهم النظام الجديد في تعزيز تنويع الاقتصاد الوطني وجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، إلى جانب رفع كفاءة رأس المال البشري وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي. كما يمكن أن يدعم توفير بيئة تنظيمية أكثر وضوحًا واستقرارًا للمستثمرين، ويحفز تطوير البنية التحتية التعليمية وفق المعايير العالمية، وتحديث المناهج، وتوسيع برامج التدريب، واستحداث مسارات تعليمية وتخصصية تتواءم مع احتياجات سوق العمل المتغيرة.
ويشكل التحول الرقمي أحد المسارات المهمة في هذا التطوير، مع التوسع المتوقع في التعليم الإلكتروني، ومنصات التعلم الرقمية، والتطبيقات الذكية، وغيرها من الحلول التقنية التي يمكن أن تسهم في تحسين تجربة التعلم ورفع كفاءة إدارة المؤسسات التعليمية. كما يمكن للتقنيات الحديثة أن تدعم الوصول إلى التعليم وتتيح نماذج أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة للمتغيرات التقنية والاقتصادية المتسارعة.
وفي المقابل، فإن اتساع دور القطاع الخاص في التعليم يفرض تحديات تتطلب معالجة دقيقة، وفي مقدمتها تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والحفاظ على جودة التعليم وعدالته. فالتعليم لا يمثل نشاطًا اقتصاديًا فحسب، بل هو خدمة ذات أبعاد اجتماعية وتنموية عميقة. ومن هنا تبرز ضرورة بناء منظومة حوكمة قوية تضمن الالتزام بمعايير الجودة الأكاديمية والتربوية، وتحمي حقوق الطلاب، وتكفل وصول جميع فئات المجتمع إلى تعليم عالي الجودة، بما في ذلك سكان المناطق النائية والأسر ذات الدخل المحدود.
كما تبرز أهمية وضع ضوابط واضحة للرسوم الدراسية، بما يضمن عدم تحول التعليم الجيد إلى خدمة تقتصر على القادرين ماليًا، مع تعزيز برامج المنح الدراسية والقسائم التعليمية للفئات المستحقة. وفي هذا الإطار، يمكن للقطاع غير الربحي والأوقاف التعليمية أن يؤديا دورًا محوريًا في دعم العدالة التعليمية وتوسيع فرص الوصول إلى التعليم وتعزيز تكافؤ الفرص.
ويظل تطوير الكفاءات البشرية والمؤسسية من أبرز متطلبات نجاح المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل الحاجة إلى كوادر متخصصة في الإدارة التعليمية، والحوكمة، والتحول الرقمي، وقياس الأداء. ولذلك فإن الاستثمار في تدريب الكوادر الوطنية، ونقل المعرفة، والاستفادة من أفضل الممارسات والتجارب الدولية، يمثل ضرورة لضمان قدرة المؤسسات التعليمية على مواكبة التحولات وتحسين جودة مخرجات التعلم.
وفي نهاية المطاف، فإن نجاح نظام التعليم الجديد لن يكون مرهونًا بمجرد صدور اللوائح والتشريعات، وإنما بمدى كفاءة تنفيذها وبناء منظومة متكاملة تقوم على الحوكمة والمساءلة وقياس الأداء والشراكة المستدامة بين القطاعين العام والخاص والقطاع غير الربحي. كما يتطلب الأمر توفير بيئة استثمارية جاذبة، من خلال حوافز مالية وتنظيمية مناسبة، وتسهيل إجراءات الترخيص، ووضوح الأطر التعاقدية، واستقرار التشريعات.
وإذا ما أُحسن تنفيذ هذه المنظومة، فإن النظام الجديد يمكن أن يشكل إحدى الركائز المهمة لتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، ليس فقط عبر الارتقاء بجودة التعليم، بل أيضًا من خلال بناء اقتصاد معرفي مستدام، وتعزيز تنافسية رأس المال البشري، وتهيئة أجيال تمتلك المهارات والمعارف اللازمة للمنافسة عالميًا والمساهمة بفاعلية في مسيرة التنمية الوطنية.










































