اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ تموز ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
لو عاد إعلامي من عام 2040 إلى يومنا هذا، فربما ستكون أول ملاحظة يقولها لنا أن أكبر خطأ ارتكبناه هو اعتقادنا أن مستقبل الإعلام مرتبط بالقنوات الاتصالية وحدها، بينما الحقيقة أن التحول الأكبر سيحدث في الإنسان نفسه، وفي طريقة تفكيره، وكيفية تلقيه للمعلومات، ومعاييره في الثقة، وآلية تفاعله مع المحتوى، فخلال السنوات الخمس عشرة المقبلة لن تتطور أدوات الإعلام فحسب، بل ستتغير قواعد اللعبة بالكامل، وسيصبح التأثير هو العملة الحقيقية، بينما تتحول المنصات إلى مجرد وسائل تتبدل باستمرار، ويبقى المحتوى القادر على صناعة الأثر هو العنصر الأكثر قيمة.
بدأ هذا المستقبل يتشكل بالفعل، فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تساعد الإعلاميين على كتابة النصوص أو إنتاج الصور ومقاطع الفيديو، بل أصبح شريكاً في صناعة القرار الإعلامي، وتحليل اهتمامات الجمهور، وقياس تفاعلهم، وتخصيص الرسائل بما يتوافق مع اهتمامات كل فرد، وتشير شركة Gartner إلى أن الذكاء الاصطناعي سيصبح خلال السنوات القليلة المقبلة مكوناً أساسياً في معظم المؤسسات الإعلامية، بينما تتوقع PwC أن تتجاوز قيمة سوق الإعلام والترفيه عالمياً 3,5 تريليونات دولار أمريكي بحلول عام 2029، مدفوعة بالنمو المتسارع في المحتوى الرقمي، والمنصات الذكية، والإعلانات المعتمدة على البيانات.
لكن القفزة الأكبر لن تكون في الذكاء الاصطناعي وحده، بل في البنية التقنية التي ستنقل الإعلام إلى مرحلة جديدة بالكامل، فالجيل السادس للاتصالات 6G، الذي يعمل على تطويره الاتحاد الدولي للاتصالات ITU وعدد من أكبر شركات التقنية في العالم، سيقدم سرعات تفوق الجيل الخامس بعشرات المرات مع زمن استجابة يكاد يلامس الصفر، وهو ما سيجعل نقل الصور المجسمة، والهولوغرام، والتفاعل اللحظي، جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، ولن يعود المؤتمر الصحفي مجرد بث مباشر، بل تجربة يعيشها المتابع داخل منزله وكأنه يقف إلى جوار المتحدث، ويتحاور معه، ويشاهد الحدث من أي زاوية يختارها.
وسيتزامن ذلك مع انتشار تقنيات الواقع الممتد، التي تجمع بين الواقع الافتراضي، والواقع المعزز، والواقع المختلط، لتصبح إحدى أهم أدوات الاتصال الجماهيري، فبدلاً من مشاهدة تقرير عن مشروع تنموي، أو كارثة طبيعية، أو حدث رياضي، سيعيش المتلقي تفاصيله داخل بيئة رقمية تحاكي الواقع بكل أبعاده، لتتحول التجربة الإعلامية من مجرد مشاهدة إلى مشاركة حقيقية، وهو ما سيغير مفهوم صناعة المحتوى كما عرفناه طوال العقود الماضية.
وفي المقابل ستصبح البيانات الضخمة الوقود الحقيقي للإعلام، إذ تشير تقديرات IDC إلى أن حجم البيانات العالمية سيتجاوز 175 زيتابايت، أي ما يعادل 175 مليار تيرابايت، وهو رقم يعكس حجم المعلومات التي سينتجها البشر والأجهزة والمنصات الرقمية، وستكون هذه البيانات قادرة على معرفة ما يفضله كل فرد، ومتى يكون أكثر استعداداً لتلقي الرسالة، وبأي أسلوب سيتفاعل معها، لتصبح كل رسالة إعلامية مصممة لشخص واحد، حتى وإن وصلت إلى ملايين الأشخاص في الوقت نفسه، وهو تحول سيجعل فهم البيانات وتحليلها مهارة لا تقل أهمية عن الكتابة والتحرير والإنتاج.
ولعل أبرز ما تكشفه المؤشرات العالمية أن هذا التحول لم يعد مستقبلاً بعيداً، فقد أظهر تقرير الأخبار الرقمية 2025 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، والذي شمل قرابة مئة ألف مشارك في ثمانٍ وأربعين دولة، أن المنصات الاجتماعية والفيديو أصبحت المصدر الأول للأخبار لدى فئات واسعة من الشباب، بينما يتوسع الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات عاماً بعد عام، كما أوضح التقرير أن الثقة في الأخبار لا تتجاوز نحو 40 % على المستوى العالمي، في حين يرى 58 % من المشاركين أن التمييز بين الحقيقة والمعلومات المضللة أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى، وهو مؤشر يكشف أن التحدي الحقيقي في المستقبل لن يكون إنتاج المحتوى، بل المحافظة على المصداقية.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يحملها إعلامي عام 2040 إلينا، فالتقنيات ستتغير بسرعة لم يشهدها التاريخ من قبل، والمنصات ستظهر وتختفي، والأدوات ستصبح أكثر ذكاءً، لكن القيمة الحقيقية ستظل فيمن يستطيع تحويل هذه التقنيات إلى محتوى يبني الثقة، ويصنع الوعي، ويترك أثراً حقيقياً في حياة الناس، لأن المستقبل لن يكون لمن يسبق الآخرين في استخدام التقنية، بل لمن يسبقهم في فهم الإنسان.










































