اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦
تدويل القمع: ما جُرّب في غزة يُعاد داخل العواصم #عاجل
خارج النص- كتب حلمي الأسمر
من مينيابوليس إلى غزة… ومن طهران إلى موسكو:
حين تفقد الإمبراطوريات أخلاقها يبدأ العدّ التنازلي
تشهد الولايات المتحدة الآن 2026 واحدة من أوسع موجات الاحتجاج الداخلي منذ عقود. انها انتفاضة كاملة الأوصاف؛ أكثر من ألف مظاهرة عمّت مئات المدن، من مينيابوليس إلى نيويورك، ومن بوسطن إلى واشنطن، ولم تعد المسألة احتجاجًا على حادثة بعينها، بل تمرّدًا مدنيًا على منطق الدولة الأمنية.
الشرارة كانت مقتل المواطنة الأميركية ريني نيكول غود برصاص عنصر من وكالة الهجرة والجمارك (ICE) في مينيابوليس، وإصابة مدنيين آخرين برصاص فيدرالي في بورتلاند. لكن كما قال الفيلسوف الأميركي جون ديوي:
«الثورات لا تبدأ حين تسوء الظروف، بل حين يدرك الناس أن ما يُفرض عليهم لم يعد أخلاقيًا».
وهذا بالضبط ما حدث.
---
أمريكا: حين يتحول القانون إلى هراوة
الشعار الذي وحّد المظاهرات كان واضحًا وصادمًا:
'ICE Out For Good”
وترجمته السياسية الدقيقة:
«إنهاء وجود وكالة الهجرة (ICE) نهائيًا / إخراجها من المجتمع إلى الأبد».
هذا ليس شعارًا إصلاحيًا، بل إعلان سحب شرعية.
المتظاهرون لم يطالبوا بمحاكمة عنصر أو تعديل سياسة، بل بتفكيك مؤسسة أمنية كاملة.
الكاتب الأميركي كريس هيدجز لخّص هذا التحول بقوله:
«حين تفشل النخب في الإقناع، تستبدل السياسة بالشرطة، والأفكار بالهراوات».
وهنا تحديدًا تدخل الولايات المتحدة منطقة خطرة:
حين تشبه واشنطن طهران (رغم كل الاختلاف)
رغم التناقض الظاهري بين النظامين الأميركي والإيراني، إلا أن منطق الحكم بات متشابهًا بشكل مقلق:
في إيران: القمع باسم حماية الثورة
في أمريكا: القمع باسم تطبيق القانون
لكن النتيجة واحدة:
الدولة تخاف من شعبها.
الفيلسوفة حنة آرندت وضعت القاعدة بوضوح:
«حين تلجأ السلطة إلى العنف، فذلك دليل على أنها فقدت شرعيتها».
الشرعية لا تُفرض بالقوة…
وحين تُسحب، لا تنقذها الدساتير ولا الشعارات.
غزة: المرآة التي كسرت الرواية الغربية
لا يمكن فهم هذا التحول الأميركي دون وضع غزة في قلب المشهد.
غزة لم تكن مجرد حرب بعيدة، بل اختبارًا أخلاقيًا داخليًا للغرب.
وحين فشل الغرب في الاختبار، اضطر إلى قمع من ذكّره به.
طلاب الجامعات الأميركية قُمِعوا لأنهم تضامنوا مع غزة
التظاهر ضد الإبادة وُصف بـ«تهديد أمني»
الضمير نفسه أصبح تهمة
المفكر الفرنسي إيمانويل تود كتب:
«الغرب لا يخشى العنف… بل يخشى انكشاف معاييره المزدوجة».
وغزة هي التي كشفت هذا الانكشاف.
الصحافة العبرية: قلق الحليف لا شماتة الخصم
اللافت أن الإعلام العبري التقط خطورة ما يجري في أمريكا قبل كثيرين.
صحيفة هآرتس علّقت بقلق واضح:
«مشاهد الاحتجاجات ضد القوات الفيدرالية في المدن الأميركية تذكّر بأزمات داخلية لم تعهدها الولايات المتحدة منذ عقود، واستخدام القوة يزيد الشرخ بدل احتوائه».
أما يديعوت أحرونوت فنقلت عن محللين أمنيين:
«التوتر بين الدولة الفيدرالية والمجتمع المدني في أمريكا يطرح تساؤلات حول القدرة على الضبط دون الانزلاق إلى عنف أوسع».
هذا ليس تعاطفًا مع المتظاهرين، بل خوفًا على نموذج الحكم.
وإسرائيل تفهم هذا الخوف جيدًا… لأنها تعيشه يوميًا في غزة.
العودة إلى موسكو: درس الاتحاد السوفياتي
الاتحاد السوفياتي لم يسقط لأنه كان ضعيفًا،
بل لأنه فقد المعنى.
الكاتب الروسي ألكسندر سولجينتسين قال عبارته الخالدة:
«نحن نعرف أنهم يكذبون، وهم يعرفون أنهم يكذبون، لكن الكارثة تبدأ حين نُجبر على التظاهر بأننا نصدقهم».
حين تُجبر الشعوب:
على تصديق أن القمع حماية
وأن الإبادة دفاع عن النفس
وأن الصمت فضيلة
يبدأ الانهيار… حتى لو بدا النظام صلبًا.
أحد المؤرخين لخّص المصير:
«الدول لا تموت حين تفقد قوتها، بل حين تفقد سبب وجودها».
إلى أين يتجه المشهد؟
نحن أمام تحول استراتيجي عالمي لا حادثة عابرة:
1. تآكل الشرعية في الدول المركزية (أمريكا، إسرائيل، إيران)
2. تدويل القمع: ما جُرّب في غزة يُعاد داخل العواصم
3. تصاعد خطاب التفكيك لا الإصلاح (Abolish – Out For Good)
4. جيل عالمي جديد لا يثق بالروايات الرسمية ولا يخاف من نزع الشرعية
الخطر على هذه الأنظمة ليس الثورة المسلحة،
بل الانفصال الأخلاقي بين الدولة والمجتمع.
وحين يحدث هذا الانفصال:
لا يعود السؤال: متى يسقط النظام؟
بل: متى يعجز عن الاستمرار دون عنف دائم؟
ما يجري من مينيابوليس إلى غزة، ومن طهران إلى موسكو القديمة، ليس فوضى… بل نمطًا.
الإمبراطوريات لا تسقط حين تُهزم عسكريًا،
بل حين تضطر إلى ضرب شعوبها دفاعًا عن كذبة.
وغزة…
هي الحقيقة الكبرى التي كسرت النظام العالمي،
وما نراه اليوم ليس إلا ارتداداتها.












































