اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٢ أب ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
في كل جهة حكومية، أو شركة خاصة، مهما تعاظمت كفاءتها، وقويت إمكاناتها المالية، وتطورت حوكمتها الإدارية، يبقى هناك شخص يقف في الواجهة، يحمل نجاحات الآخرين على كتفه، ويتلقى نصيبه من اللوم عند أي إخفاق، إنه مسؤول الاتصال المؤسسي، فإذا نجحت الجهة قيل هذا واجبه، وإذا لم يعرف الناس نجاحاتها قيل أين الاتصال؟ وإذا تعرضت لأزمة سئل لماذا لم تتحركوا؟ وكأن هذا المسكين يمتلك عصا سحرية يستطيع بها تعويض نقص الميزانية، وضعف الكوادر، وتأخر المعلومة، ومحدودية الصلاحيات، ثم يُطلب منه في النهاية أن يقدم صورة تليق بجهة ربما لم تمنحه أصلًا الأدوات التي تليق بها.
لست هنا أتكلم عن مشكلة محلية أو إقليمية، بل ثقافة مؤسسية عامة نجدها بصور مختلفة حول العالم، فالاتصال في بعض المؤسسات لا يزال يُنظر إليه باعتباره وظيفة مساندة وليست جزءًا من الـCore Business، ولذلك يأتي أحيانًا في آخر الأولويات عند توزيع الوظائف والعقود والميزانيات والدعم، لكنه يتقدم الصفوف عند المحاسبة، وهذه معادلة تحتاج إلى إعادة نظر، لأن السمعة لم تعد منتجًا ثانويًا، والصورة الذهنية ليست ترفًا، والثقة التي تبنيها المؤسسة خلال سنوات قد تتعرض للاهتزاز خلال ساعات بسبب رسالة مرتبكة أو أزمة لم تُدر اتصاليًا بالشكل الصحيح.
والحقيقة أن مسؤول الاتصال اليوم لم يعد الموظف الذي يكتب خبرًا ويرسله إلى صحيفة أو مؤسسة إعلامية، فقد اتسعت مسؤولياته لتشمل صناعة المحتوى، والعلاقات الإعلامية، والاتصال الداخلي، وإدارة السمعة، والتسويق، والمنصات الاجتماعية، والإنتاج المرئي، والمعارض والفعاليات، والرصد والتحليل، وإدارة الأزمات، وقياس الأثر، ثم جاءت أدوات الذكاء الاصطناعي لتضيف مهارات جديدة في تحليل البيانات، وتخصيص الرسائل، والإنتاج والتحقق، بينما لا تزال بعض الجهات تتعامل مع إدارته بعقلية العلاقات العامة القديمة.
والأرقام تؤكد أن الاستثمار في الاتصال والسمعة ليس ترفًا إداريًا، فقد أظهر مسح PwC للثقة 2024 أن 93% من قيادات الأعمال يرون أن بناء الثقة والمحافظة عليها يسهمان في تحسين النتائج المالية، كما قدّر قياديون عالميون في دراسة لـ Weber Shandwick أن سمعة الشركة تمثل في المتوسط نحو 63% من قيمتها السوقية، وفي مؤشر إيدلمان للثقة 2025 الذي شمل أكثر من 33 ألف شخص في 28 دولة، حافظ قطاع الأعمال على موقعه باعتباره المؤسسة الأكثر ثقة عالميًا بنسبة 62%، وهي أرقام تقول لنا إن السمعة قيمة مؤسسية واقتصادية، وإن الاتصال أحد أهم أدوات بنائها وحمايتها.
وفي وطننا الغالي تحديدًا، يتصاعد الوعي بأهمية هذا الدور بصورة تستحق الإشارة والإنصاف، فقد أُقيم المنتدى السعودي للإعلام 2025 برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين، وحظي باهتمام واسع وثقة كبيرة، فيما عكست مشاركة أكثر من 250 شركة محلية ودولية في معرض مستقبل الإعلام حجم التحول المتسارع الذي تشهده الصناعة الإعلامية في المملكة، كما تؤكد مبادرات وزارة الإعلام والجهات ذات العلاقة في تطوير منظومة الاتصال الحكومي، وتعزيز التكامل بين مسؤولي الاتصال، ومواكبة التقنيات الحديثة، أن الاتصال لم يعد نشاطًا يأتي بعد إنجاز العمل أو وسيلةً للتعريف به فحسب، بل أصبح شريكًا في صناعة الأثر وتعظيمه.
ومن هنا، تبرز أهمية تمكين إدارات الاتصال المؤسسي داخل الجهات السعودية، وإشراكها مبكرًا في صناعة القرار، ومنحها الوصول إلى المعلومات، واستقطاب الكفاءات المتخصصة، وتوفير الميزانيات والصلاحيات المناسبة لها، إلى جانب الاستثمار في أدوات الرصد والتحليل والذكاء الاصطناعي، وتطوير منهجيات لقياس الأثر تتجاوز المؤشرات التقليدية المتمثلة في أعداد الأخبار والتغريدات والمشاهدات؛ فالاتصال الناجح لا يصنع منجز المؤسسة، لكنه يجعل المجتمع يفهمه ويقدّر أثره، ولا يستطيع تصحيح قرار خاطئ، لكنه قادر على شرح القرار الصحيح ووضعه في سياقه المناسب، وفي نهاية المطاف، يظل الاتصال المؤسسي المرآة التي يرى الناس من خلالها المؤسسة، والجسر الذي يصل بين ما تنجزه وما يدركه المجتمع عن ذلك الإنجاز.
لذلك، قبل أن نسأل مسؤول الاتصال لماذا لم تُبرز الجهة؟ علينا أن نسأل سؤالًا أكثر عدالة، ماذا قدمنا له حتى يستطيع إبرازها؟ فالذي نضعه في الصف الأخير عند الميزانيات والصلاحيات والكوادر، لا يصح أن نستدعيه إلى الصف الأول عند الأزمات والمحاسبة، وإذا كانت المؤسسات تستثمر الملايين في صناعة منجزاتها، فمن المنطقي أن تستثمر بما يكفي فيمن يحمي سمعتها، ويروي قصتها، ويصنع أثرها، فمهما كانت المرآة جميلة، لن تستطيع أن تعكس الصورة كاملة إذا وضعناها في الظلام.










































