اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ٢٢ نيسان ٢٠٢٦
دخل قرار توطين 41 مهنة في القطاع السياحي حيّز التنفيذ اليوم الأربعاء، في خطوة تستهدف رفع حضور الكفاءات الوطنية داخل واحد من أكثر القطاعات ارتباطًا بالتحول الاقتصادي في المملكة. وهو القرار الذي يطبق على منشآت القطاع الخاص في الأنشطة السياحية، بالشراكة مع وزارة السياحة، ضمن مسار يستهدف توفير فرص عمل محفزة للمواطنين والمواطنات في مختلف مناطق المملكة.
لا تكمن أهمية القرار في عدد المهن فقط، بل في طبيعة المواقع الوظيفية التي يمسها.
فالقائمة لا تتجه إلى الهامش الإداري، بقدر ما تصل إلى القلب التشغيلي للقطاع، من موظف استقبال الفندق وأخصائي المبيعات إلى المرشد السياحي وأخصائي الفندقة ومدير الفندق ومدير عمليات الفندقة ومدير وكالة السفر.
هذا يعني أن التوطين هنا لا يُعادِل مجرد سد شواغر، وإنما يعكس إعادة ترتيب أوسع لهوية القطاع ومن يدير واجهته اليومية أمام الزوار والسياح.
توطين السياحة.. أولى فرص السعوديين ظهورًا
أولى الفرص التي يُرجَّح أن تظهر سريعًا ستكون في الوظائف ذات الاتصال المباشر بالنزيل أو السائح، لأن هذه المهن تمثل الواجهة الأولى للخدمة، كما أنها أكثر قابلية للدخول التدريجي من خلال التدريب والتأهيل السريع نسبيًا.
وتشير التقديرات إلى أن المهن المستهدفة تشمل موظف استقبال الفندق، وأخصائي المبيعات، وأخصائي الإرشاد السياحي، ومرشد الموقع، والمنظم السياحي، وهي جميعًا وظائف تجعل السعودي حاضرًا في نقطة التماس بين المنشأة والزائر.
يمنح هذا التوجه القرار بعدًا يتجاوز التشغيل إلى التمثيل المهني والثقافي. فحين يكون موظف الاستقبال، أو المرشد، أو مسؤول المبيعات من أبناء البلد، يصبح القطاع السياحي أقرب إلى التعبير عن المجتمع المحلي لا مجرد إدارة خدماته.
كما أن هذه الوظائف تمثل مدخلًا طبيعيًا لمسار مهني أطول داخل السياحة، إذ يبدأ الموظف من الواجهة، ثم ينتقل لاحقًا إلى الإشراف أو الإدارة أو التطوير التشغيلي بحسب الخبرة والتدريب.
المنطق الحكومي من توطين السياحة
المرحلة الأولى التي تبدأ اليوم تكشف أيضًا عن منطق حكومي واضح في طريقة التنفيذ.
فبحسب تفاصيل القرار، تبدأ هذه المرحلة بنسبة 100% لأربع مهن، و70% لـ 12 مهنة، و50% لـ 12 مهنة أخرى، على أن تبدأ المرحلة الثانية في 3 يناير 2027، ثم المرحلة الثالثة في 2 يناير 2028.
هذا التدرج يعني أن الجهات المنظمة لا تتعامل مع التوطين كقرار فوري صادم، وإنما كمسار مرحلي يوازن بين هدف الإحلال الوطني وبين قدرة السوق على التكيّف والتدريب والامتثال.
ومن الناحية العملية، يتيح التدرج للمنشآت السياحية أن تعيد هيكلة فرقها على مراحل، بدلًا من الاضطرار إلى تغييرات دفعة واحدة قد تربك التشغيل.
كما يمنح مؤسسات التدريب والجامعات والمعاهد المتخصصة وقتًا كافيًا لتجهيز كوادر أكثر مواءمة لاحتياجات السوق، وهو ما يفسر لماذا صيغ القرار ضمن جدول زمني يمتد حتى 2028.
أيضًا، يتكامل هذا التدرج لاحقًا مع سياسات أوسع تستهدف رفع نسبة التوطين في المنشآت السياحية المرخصة إلى 50% بحلول عام 2028.
بعد الوظائف التخصصة والإشرافية.. من التالي؟
تبدو الفرص التالية بعد الواجهة المباشرة في الوظائف التخصصية والإشرافية، وخصوصًا تلك المرتبطة بتشغيل الفنادق وتخطيط الخدمات والرقابة على الجودة وتطوير المنتجات السياحية.
تشمل هذه القائمة، وفق ما نُشر رسميًا، مهنًا مثل مدير الفندق، ومدير عمليات الفندقة، ومدير رقابة فنادق، ومدير تخطيط وتطوير، وأخصائي تطوير سياحي.
هذا يوضح أن القرار لا يقتصر على الوظائف التنفيذية الدنيا، إذ يفتح أيضًا الباب أمام نقل الخبرة الوطنية إلى مواقع اتخاذ القرار داخل المنشآت.
توطين السياحة.. القيمة الأبعد للقرار
لقد القطاع السياحي في السعودية صار أحد المحاور الاقتصادية التي يُعوَّل عليها في تنويع الدخل، وزيادة الجاذبية الاستثمارية، ورفع جودة التجربة المقدمة للزوار.
وعندما تمتد السعودة إلى الوظائف القيادية والتخصصية داخل هذا القطاع، فإن الأثر لا يتوقف عند خلق وظيفة، بل يصل إلى بناء نواة خبرة وطنية تتولى تشغيل القطاع وتطويره من الداخل.
لكن هذا المسار لا يخلو من تحديات واضحة. إذ أن النجاح هنا لن يُقاس فقط ببدء التطبيق، ولكن بقدرة السوق على إنتاج موظف مؤهل يستطيع الاستمرار والارتقاء.
لذلك يبدو التدريب عاملًا حاسمًا في المرحلة المقبلة، خصوصًا في الوظائف التي تتطلب لغة، ومهارات خدمة، وفهمًا للتشغيل الفندقي، وقدرة على التعامل مع أنماط متنوعة من الزوار.
وتُظهر صياغة الوزارة نفسها أن القرار جزء من مسعى أوسع لتوفير فرص عمل محفزة، وهو توصيف يحمل ضمنًا مسؤولية على المؤسسات المعنية في جعل هذه الوظائف جاذبة فعليًا من حيث الأجور، والمسار المهني، والاستقرار الوظيفي.
كما أن أصحاب المنشآت سيجدون أنفسهم أمام اختبار مزدوج: الامتثال للنسب المطلوبة من جهة، والحفاظ على مستوى الخدمة من جهة أخرى.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي يكمنُ في دمج السعوديين داخل بيئة تشغيلية قادرة على تأهيلهم ومنحهم صلاحيات ومسارًا واضحًا. وكلما نجحت المنشآت في ذلك، تحوّل القرار من التزام تنظيمي إلى فرصة سوقية تعيد تشكيل القطاع نفسه.










































