اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
فهد الأحمري
أخشى على التراث أحيانا من كلمة «الحفاظ».. فبعض الأشياء حين نبالغ في حفظها، نخرجها من الحياة. نضعها خلف الزجاج، نكتب إلى جوارها تاريخا، نلتقط لها الصور، ثم نغادر مطمئنين أننا أنقذناها. بينما هي، في الحقيقة، بدأت تموت.
الحرفة لم تولد في متحف، ولم يكن الحرفي القديم يعرف أنه يصنع 'تراثا'.. كان يصنع بابا لبيت، وسجادة لأرض، وسلة تحمل التمر، وثوبا يلبس.. كان ما نسميه اليوم موروثا جزءا عاديا من يوم الناس؛ يُشترى ويُباع، ويُطعم صاحبه، ويتعلمه الابن من أبيه؛ لأنه مهنة، لا لأنه ذكرى.
لهذا استوقفتني الاتفاقية التي وقعها الصندوق الثقافي و'حرف السعودية' أخيرا، والهادفة إلى تمكين الحرفيين وتحويل الحرف السعودية إلى فرص اقتصادية مستدامة، وتوسيع وصول منتجاتها إلى الأسواق.
لكن ما لفتني في الخبر ليس الاتفاقية نفسها، بل الفكرة التي تقف خلفها: ربما أفضل طريقة لحفظ التراث هي ألا نتعامل معه باعتباره تراثا فقط. أن يعود منتجا نحتاجه، ومهنة يقبل عليها الشباب، ومتجرا يربح، وتصميما يدخل البيت الحديث، وقطعة سعودية تجد مكانها في أسواق العالم.. فالتراث الذي لا يجد مشتريا سيبحث قريبا عمن يتذكره.. وهنا فارق مهم بين أن نحفظ 'شكل' الحرفة، وأن نحفظ حياتها.. الأول يستطيع المتحف القيام به ببراعة؛ أما الثاني، فلا يفعله إلا السوق والناس والجيل التالي.
تخيلوا شابا يقف أمام حرفة أجداده.. إذا قلنا له: تعلمها كي لا تنقرض، فقد حمّلناه مسؤولية الماضي.. لكن إذا قلنا: تعلمها، فقد تبني بها مستقبلك، فنحن نعطي الماضي سببا ليعيش.. عندها تتغير الصورة، لا يعود الحرفي شخصا نستدعيه في مهرجان لنلتقط معه صورة، بل صاحب مشروع.. ولا تصبح القطعة التراثية تذكارا نشتريه بدافع الحنين، بل منتج نختاره لجماله وجودته وقيمته.
أجدادنا أوصلوا هذه الحرف إلينا من دون صناديق لحمايتها، ولا أيام عالمية للاحتفاء بها.. أبقَوها هم حية لسبب أبسط بكثير: كانوا يستخدمونها.. وربما تكون مسؤوليتنا اليوم أبسط مما نظن.
لا تحفظوا التراث فقط، أعيدوه إلى الحياة.. فأجمل مكان للتراث ليس خلف الزجاج؛ بل بين أيدي الناس.










































