اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٤ أذار ٢٠٢٦
كان الأوروبيون، لقرون طويلة، يتعاملون مع البجعة بوصفها برهاناً بصرياً على اليقين. البجعة بيضاء، هكذا ببساطة. المسألة ليست ملاحظة عابرة تعودوها من الطبيعة، كانت في تصورهم قاعدة ذهنية مستقرة: ما دمنا رأينا كل البجع أبيض، فالبجع كله أبيض. ثم جاء الرحالة الهولندية إلى أستراليا، ورأى البحارة ما لم يكن يدخل في الحساب أصلاً: يا إلهي.. بجعة سوداء.
في لحظة واحدة، تهشمت طريقة مستقرة في التفكير، وانهار يقين قار في عقول الناس أمام مثال واحد لم يكن متخيَّلاً، لأنه، بكل بساطة، لم يكن مرئياً بعد. هذه هي قوة البجعة السوداء: الشيء الذي يفضح حدود ما نظنه معرفة. كان الناس يملكون قاعدة منطقية متماسكة، لكنها سقطت أمام واقعة مرئية واحدة. لذلك، فالبجعة السوداء مثلما هي طائر في كتاب تاريخ طبيعي، أضحت استعارة جارحة لغرور الإنسان حين يظن أن ما لم يره لا يمكن أن يوجد. ومن الطريف أن هذا الرمز نفسه، الذي صار لاحقاً عنواناً للمفاجأة والحدث المربك، عاش أيضاً حياة أخرى في عالم الباليه، حيث تظهر البجعة السوداء في بحيرة البجع لتشايكوفسكي لتمثل الفتنة والازدواجية والخداع والقوة والإغواء. أما شقيقتها البجعة البيضاء فتمثل البراءة.
تدخل السوداء المشهد كقلب مفعم بالسر: الجمال نفسه وقد صار ملتبساً، والرقة نفسها وقد حملت معها الخطر. ولهذا بقيت البجعة السوداء في المخيلة الحديثة أكثر من مجرد طائر نادر؛ إنها لحظة ينقلب فيها النظام الذي كنا نظنه مستقراً، ويظهر الوجه الآخر للأشياء. من هنا يمكن العبور بسهولة إلى كتاب نسيم نيكولاس طالب. فهذا الكاتب فهم أن العالم يشبه تلك الصدمة القديمة: نحن نعيش داخل خرائط مطمئنة، ثم تصل السفينة الهولندية دائماً من مكان ما، حاملة ما لم نضعه في الحساب. الفكرة المركزية في الكتاب هي أن أكثر ما يغيّر التاريخ والأسواق والسياسة والحياة الشخصية يأتي غالباً من خارج التوقعات السائدة. نحن لا نخطئ لأننا لا نعرف بالضرورة كل شيء، بل لأننا نبالغ في الثقة بما نعرفه.
في هذا السياق، يوجه المؤلف ضربة قاسية إلى فئة مألوفة في كل عصر: المحللون، لأنهم بكل راحة ضمير كثيراً ما يقدمون انطباع الفهم أكثر مما يقدمون قدرة فعلية على قراءة الأحداث أو حتى التنبؤ.
إنهم يعلّقون على الأشياء بعد وقوعها، يرتبونها، ويصنفونها، ويربطون أسبابها ونتائجها، ويمنحوننا في النهاية شعوراً مريحاً بأن العالم بسيط ومفهوم. لكن المشكلة أن هذا الفهم غالباً يأتي بعد الحدث، وليس قبله. فالمحلل، في كثير من الأحيان، لا يملك علماً بالمعنى الرياضي الصارم، بل يقدم مزيجاً من خبرة وحدس وبلاغة وبدلة أنيقة وثقة بالنفس. وهذه كلها مفيدة في الحديث، لكنها ليست ضمانة أمام صدمة ما يمكن أن يحدث أمام أعيننا.
الإنسان يحب التفسير لأنه يكره الغموض. فبعد كل زلزال سياسي أو مالي أو عسكري، يظهر جيش من الشارحين ليقول لك إن المؤشرات كانت واضحة، وإن المسار كان منطقياً، وإن النهاية كانت كامنة في البداية. لكن هذا النوع من الحكمة المتأخرة يشبه من يشرح لك شكل الحريق بعد أن أكل البيت. هو يصف الرماد بإتقان فريد، لكنه لا يبرهن أنه كان يعرف لحظة انطلاق الشرارة.
وحين تقترب الفكرة من الحديث عن الحرب، بوصفها المسرح الأكثر قسوة للبجعة السوداء، فالحروب حتى حين تتراكم مقدماتها لا تدخل حياة الناس على هيئة تحليل متزن؛ إنها تأتي كضربات خفيفة في إيقاع الحياة وتيار الوجود.
في يوم عادي تشرق فيه الشمس من مكانها المعتاد، ينقلب كل شيء إلى ما بعده. مدينة كانت تضج بأجراس المدارس وثرثرة الناس في الأسواق، وقرقعة العربات وزحمة السيارات، تتحول فجأة إلى خرائط ونشرات أخبار وأسئلة عن الملاجئ وطرق الوقاية من الصواريخ. السياسيون قبل الحرب يتكلمون بلغة الردع والتوازن والخطوط الحمراء، كأنهم يتحركون داخل معادلة هندسية. لكن الحرب حين تشتعل لا تسير غالباً كما كتبوها على الورق. فقرار صغير، ومحاولة اغتيال، وسوء تقدير، وانفعال زعيم، وخطأ في القراءة، وتأخير في الرد، ورسالة أسيء فهمها؛ كل هذه التفاصيل التي تبدو هامشية يمكن أن تصبح باباً لأيام من البارود والنار.
في الحرب يظهر ضعف الإنسان أمام المفاجأة بأوضح صورة. لا أحد يخطط حقاً للحياة تحت القصف وهو يظن أنه يخطط للمستقبل. لا أحد يبني بيته أو يربي أبناءه أو ينظم مواعيده وفي ذهنه أن العالم قد يتهشم بهذه السرعة. لذلك، الحرب صدام بين وهم الاستقرار وقسوة الواقع، إنها اللحظة التي تكتشف فيها المجتمعات أن كثيراً من خططها وأحلامها كانت مصممة لأيام عادية، وليس لأيام سوداء.
وهذا هو المعنى الأعمق الذي يجعل البجعة السوداء فكرة أكبر من كتاب نسيم طالب؛ إنها تقول لنا إن التاريخ لا يتحرك بخط مستقيم، وإن أخطر ما فيه ليس ما نرصده كل يوم، بل ما لا نرصده إلا بعد أن يقع. نحن نحب الخبراء لأنهم يهدئون قلقنا، ونحب التحليلات لأنها تمنحنا قصة، ونحب الأرقام لأنها تبدو واثقة. لكن الحرب، مثل الأزمات الكبرى كلها، تذكّرنا بأن الصلابة قد تكون مجرد ديكور معرفي إذا بُنيت على فرضية أن الغد سيكون نسخة مهذبة من الأمس.
وربما لهذا السبب تبدو البجعة السوداء، منذ السفينة الهولندية حتى تشايكوفسكي ونسيم طالب، رمزاً واحداً بأقنعة متعددة؛ مرة بوصفها طائراً نادراً، ومرة بوصفها شخصية تغوي وتخدع، ومرة بوصفها نظرية في فهم العالم. وفي كل مرة، الرسالة واحدة تقريباً: ما نظنه مستحيلاً ليس مستحيلاً بالضرورة، بل قد يكون فقط في مكان لم ننظر إليه بعد.
أما في زمن الحروب، فإن هذه الفكرة تكتسب خشونتها الكاملة. هناك، لا تعود البجعة السوداء مجازاً أنيقاً، تتحول إلى تجربة يومية: انهيار في التوقع، واضطراب في الحياة، وارتباك في الحسابات، واكتشاف متأخر بأن العالم لا يكافئ ثقتنا به دائماً. وما إن تهدأ المدافع حتى يبدأ المحللون من جديد في شرح ما حدث، كأنهم كانوا يعرفونه منذ البداية. لكن السفينة الهولندية كانت قد وصلت بالفعل، ورأى الجميع الطائر الذي لم يكن ينبغي، بحسب يقينهم القديم، أن يكون موجوداً ويسمى «البجعة السوداء».












































