اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣١ أب ٢٠٢٦
د. علي الخشيبان
الوضع الذي تقوده أميركا في المنطقة بين التوسع الإسرائيلي والتمدد الإيراني سيخلق بلا شك الفرصة الأخيرة أمام واشنطن لتصحيح الأخطاء وتغيير المسار، وإلا فالنتيجة أن تنتظر واشنطن تلاشي تأثيرها كحقيقة تاريخية لا يمكن تفاديها دون تصحيح جوهري في عيوب الاستراتيجية الأميركية..
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ظهرت في الافق أميركا كقوة بديلة لما كان سائدا قبل تلك الحرب، ومن هنا بدأت المنطقة تجربتها الجديدة مع قوة عالمية أخرى ثبت انها تفكر بطريقة مختلفة عما كانت عليه بريطانيا القوة التي انتهت بشكل تدريجي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، منذ تلك اللحظة وحتى اليوم ارتبطت القوة الأميركية بعيوب جوهرية ساهمت في اضطراب هذه المنطقة، لقد كان الإعلان الأكثر استمرارية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط هو البحث عن الاستقرار، ولكن التاريخ أثبت لهذه المنطقة ان الطريقة الأميركية في البحث عن الاستقرار لا تمنح المنطقة اي شكل من مظاهر الاستقرار.
الإفراط في استخدام القوة إحدى القواعد التي بنيت عليها السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ولا يمكن استبعاد السبب الرئيس خلف هذا السلوك والمتمثل في دعم الوجود الإسرائيلي في المنطقة منذ العام 1948م، فالنظرية الدائمة التي تبنتها واشنطن تجاه المنطقة تتمثل في حل المشكلات عبر القوة التي لا ترى الخيارات المتعددة للتعامل مع مشكلات المنطقة الا من خلال تعزيز الموقف الإسرائيلي وزيادة التهديد عبر إعلان إسرائيلي مدعوم من واشنطن يقذف بفرص السلام بعيدا ويجعل خيارات المنطقة تضيق بشكل كبير مع كل أزمة سياسية بين إسرائيل والعرب.
لقد أدى تجاهل أميركا لتاريخ المنطقة وطبيعتها الجغرافية والسياسية الى تكرار الأخطاء في صناعة السياسيات الأميركية التي فشلت في فهم الانقسامات الدينية والعرقية العميقة في المنطقة، فالاعتقاد الأميركي أنه يمكن بناء نظريات الاستقرار والتوزان السياسي من خلال تأجيج الانقسامات الفكرية والمذهبية ثبت انه لا يخلق سوى مزيد من الفوضى، وهذا ما ثبت خلال الثمانية عقود الماضية، خاصة أن الاهداف الأميركية تتغير مع كل رئيس جديد، ولكن ذلك التغير لا يمس العيب الجوهري في السياسية الأميركية وهو خلق الأزمات المتتالية، اليوم نحن أمام أحدث الأزمات -إسرائيل وإيران- وكلاهما تشتركان في مصلحة واحدة هي الرغبة في إيصال المنطقة الى حالة من العنف وانعدام الاستقرار.
هذا الافتقار الأميركي إلى استراتيجية ثابتة كسر الحقيقة التي تتطلع المنطقة الى تحقيقها، فقد كانت الضمانات الأميركية المستمرة لإسرائيل والضمانات التي حصلت عليها إيران في مرحلة سابقة شجعت هاتين الدولتين على العمل على تجاهل حتى المصالح الأميركية، فشعور إسرائيل بالحماية وشعور إيران بالدعم، خلق تلك المخاطر التي تعيشها المنطقة، وهنا تمكنت إسرائيل من تنفيذ حروبها وعدوانها وتوسعها في فلسطين، وتمكنت إيران من نشر أذرعتها واختراق عدة دول في الشرق الأوسط.
الضعف الذي عانت منه أميركا خلال العقد الماضي مكّن إسرائيل وإيران من التلاعب في السياسات الأميركية، فما حدث بعد السابع من اكتوبر 2023م يثبت هذه الحقيقة، كما ان الاتفاق النووي الذي وقعته أميركا مع إيران في عهد اوباما يثبت هذه الحقيقة، هذه الأخطاء الاستراتيجية هي من فتح الباب أمام تحليلات توصلت الى أن الضعف الأميركي في المنطقة أصبح مكشوفا للجميع، وأبرز أدلته تراجع الاعتماد على السياسة الأميركية كمحور حماية واستقرار في المنطقة، هذه النتيجة أدت الى فشل آخر تمثل في ضعف القدرة الأميركية في خلق مسار مؤسسي واضح يثبت نجاح سياستها في الشرق الأوسط ، فمنذ الرئيس كلنتون وحتى اليوم في عهد ترمب مازلنا نسمع عن تعهدات أميركية بتقليل انخراطها في الشرق الأوسط ولكن النتيجة الدائمة هي فشل جوهري في صياغة سياسات تدعم الاستقرار في المنطقة.
النتيجة المنتظرة اليوم تقول إنه لا يمكن لوم دول المنطقة -وخاصة الدول الفاعلة في المنطقة- على تآكل ثقتها في واشنطن ومن ثم البحث عن بدائل، فالنتيجة النهائية ان ورقتي اللعب في المنطقة اللتين كانت أميركا تنظر إليهما (إسرائيل وإيران) لم يتمكنا من إيقاف الصراع بينهما لصالح الاسترايجية الأميركية، ولا يمكن توقع النتيجة النهائية لهذا الصراع وتأثير ذلك على المنطقة، فإسرائيل وإيران يمتلكان اليوم ذات الحوافز والسياسات التي تؤدي الى عدم الاستقرار في المنطقة وفق تبريرات واضحة لدى كل دولة.
هذا الوضع الذي تقوده أميركا في المنطقة بين التوسع الإسرائيلي والتمدد الإيراني سيخلق بلا شك الفرصة الأخيرة أمام واشنطن لتصحيح الأخطاء وتغيير المسار وإلا فالنتيجة أن تنتظر واشنطن تلاشي تأثيرها كحقيقة تاريخية لا يمكن تفاديها دون تصحيح جوهري في عيوب الاستراتيجية الأميركية، والخيار الوحيد أمام أميركا يتطلب قدرة على كبح إسرائيل عبر منح الفلسطينين دولة مستقلة بجانب ترويض النظام الإيراني وإعادة بنائه سياسيا، ومن ثم العمل على دمج هاتين الدولتين في نحو مسار دبلوماسية جماعية يشترك فيها جميع دول الشرق الأوسط لخلق الاستقرار.










































