اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ أب ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
هناك وظائف تنتهي مسؤوليتها بانتهاء الدوام، وهناك وظائف قد تبدأ مسؤوليتها حين يعتقد الآخرون أن الدوام انتهى، وفي مقدمتها الاتصال والإعلام، فخبر غير دقيق في العاشرة مساءً، أو تغريدة فُهمت خارج سياقها، أو مقطع انتشر في دقائق، أو إشاعة بدأت من حساب مجهول، قد تجعل هاتف مسؤول الاتصال لا يتوقف حتى الصباح، وفي تلك اللحظة لا يسأله أحد عن وصفه الوظيفي أو ساعات عمله، الجميع يريده أن يحمي المؤسسة وسمعتها وثقة الناس بها، ومع ذلك مازلنا نتعامل أحيانًا مع الاتصال باعتباره وظيفة مساندة، لا وظيفة تدير واحدًا من أثمن أصول المؤسسات، «السمعة»، فهل يتقاضى العاملون في الاتصال والإعلام ما يستحقونه فعلًا؟
بحسب دليل الرواتب السعودي لعام 2025 الصادر عن The Professionals، يبلغ متوسط راتب أخصائي الاتصال 15,520 ريالًا شهريًا، وأخصائي العلاقات العامة 15,783 ريالًا، مقابل 25,137 ريالًا لأخصائي الموارد البشرية، و24,691 ريالًا لأخصائي استقطاب المواهب، و28,475 ريالًا لأخصائي التطوير التنظيمي، و28,900 ريال لأخصائي إدارة المواهب، وبحساب متوسط هذه التخصصات الأربع نصل إلى 26,801 ريال شهريًا، مقابل 15,652 ريالًا لمتوسط الاتصال والعلاقات العامة، أي أقل بنحو 42% عن هذه المجموعة التخصصية المقارنة، صحيح أن المقارنة لا تصلح حكمًا مطلقًا لاختلاف المسميات، لكنها تكشف اتجاهًا يستحق التوقف عنده، وهو أن السوق يمنح عددًا من الوظائف المؤسسية المتخصصة قيمة مالية أعلى من الاتصال.
والقضية ليست أن الاتصال فقط كونه أقل أجرًا من أغلب المهن، بل إن نمو قيمته المالية لا يبدو مواكبًا لنمو قيمته الاستراتيجية والمهارية، فوفق الدليل نفسه ارتفعت رواتب المالية والمحاسبة بين 2024 و2025 بنسبة 6%، والهندسة 7%، وبعضها تجاوز لنسب أعلى، بينما يشير المعدل إلى زيادة 4.8% مقابل 3.6% للتسويق والتواصل المؤسسي، وهنا تتضح الفجوة أكثر.
وعالميًا، تكشف بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي BLS لأجور مايو 2025 أن متوسط جميع المهن بلغ 69,770 دولارًا سنويًا، بما يعادل 21,803 ريالات شهريًا، مقابل 85,470 دولارًا لمهن الإعلام والاتصال، بما يعادل 26,709 ريالات شهريًا، أي أعلى بنحو 22.5% من متوسط جميع المهن، وهذه ربما أهم مقارنة، لأنها لا تسأل كم يتقاضى الإعلامي فقط، بل أين تضعه السوق بين بقية المهن.
والأهم أن مسؤول الاتصال في 2026 ليس هو نفسه قبل عشر سنوات، بالأمس كان يكتب خبرًا ويعد بيانًا ويتواصل مع صحيفة، واليوم نريده كاتبًا ومصورًا ومنتجًا ومحلل بيانات ومراقبًا للرأي العام ومدير أزمة وصانع محتوى وخبير منصات وقارئًا للخوارزميات ومستخدمًا للذكاء الاصطناعي ومتابعًا للمؤثرين وقادرًا على قياس الأثر، نريده أن يعرف ماذا يقول، ومتى وأين ولمن يقوله، وكيف سيتلقاه الجمهور، وكيف يتصرف إذا تحول ما قاله إلى أزمة.
لذلك فالمسألة ليست راتبًا فقط، بل فهمًا لقيمة الوظيفة، فلا يمكن أن نرفع سقف التوقعات والمهارات والمسؤوليات ونبقي التقدير المالي محكومًا بصورة قديمة لمسؤول الاتصال بوصفه منظم مناسبات أو محرر أخبار، فمسؤول الاتصال الحديث يقف عند نقطة التقاء الإدارة والتقنية والجمهور والاقتصاد والمجتمع، وقد يكون قرار اتصالي ناجح أكثر قيمة من عشرات الحملات، وخطأ واحد أكثر تكلفة من راتبه لسنوات.
ربما حان الوقت ألا نسأل كم يتقاضى مسؤول الاتصال، بل كم تبلغ قيمة ما نضعه بين يديه؟ فالمال يمكن تعويضه، والنظام التقني يمكن إصلاحه، والمشروع يمكن إعادة جدولته، أما السمعة والثقة إذا انكسرتا فقد تحتاجان سنوات وملايين الريالات لاستعادتهما، ومن يحمل هذه المسؤولية حتى بعد مغادرته مكتبه يستحق أن نعيد النظر في قيمته وموقعه وراتبه، لأننا ببساطة لا نستطيع أن نطلب منه مهارات المستقبل، ثم نستمر في دفع رواتب الماضي.










































