اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. علي بن حمد الخشيبان
الحالة اليمنية تحولت إلى فضاء مباشر لتنافس أقطاب دولية كبرى تسعى لممارسة الضغط المتبادل بينها، وهذا ما دفع دولًا كبرى في العالم -دون تسمية- نحو استثمار الحالة اليمنية وتحويلها إلى ساحة يمكن عبرها بناء معادلة مختلفة للتوازن الدولي القائم، وهنا تكمن الخطورة؛ ليس على الإقليم فقط، وإنما على العالم أجمع..
هذا العنوان هو جزء من عبارة لعالم السياسية الشهير (ميكافيلي)؛ وعبر هذا العنوان يمكن تفسير الكثير من النتائج التي نحصل عليها اليوم حول الأزمة اليمنية وكيف يسعى الحوثيون ومن يدعمهم على جميع المستويات الإقليمية والدولية الى الاستفادة من الأحداث؛ وخاصة الحرب الإيرانية - الأميركية، الحوثيون يحاولون إجبار الأطراف الإقليمية الداعمة للحكومة الشرعية بالتخلي عن الشرعية لفتح المجال أمام الحوثي للاستفراد باليمن وتحويله الى محطة للأزمات، ومن أجل ذلك تسعى هذه الجماعة الى مهاجمة السعودية بشكل دائم وإرسال الصواريخ والمسيرات؛ بما في ذلك ضرب المطارات والمواقع المدنية.
هذا السلوك الحوثي يشكل خطرا كبيرا على المنطقة بأكملها، فهناك من يدفع بالحالة اليمنية والشعب اليمني ليكون جزءًا من معادلة توازن قوى إقليمية ودولية لا يمكن إثباتها، فما يعانيه الشعب اليمني من الجوع والفقر بسبب الحوثيين لا يمكن تجاوزه عبر توجيه الحسابات السياسية الجانبية ودفعها نحو معركة ثمنها الإنسان اليمني الذي يحاول استعادة وطنه من جماعة يصنفها العالم أنها جماعة إرهابية، في الواقع ليست هناك جهة محددة تقف خلف هذه المعادلة بكونها الداعم الرئيس لهذه الجماعة أيديولوجيًا وعكسريًا وسياسيًا، لأن هناك من يرغب في تعزيز طموحات الحوثيين من أجل زعزعة الاستقرار، ليس في اليمن فقط؛ وإنما في المنطقة بأكملها.
معادلة التوازن السياسي في المنطقة يتم دفعها نحو اليمن عبر استثمار مباشر للأزمة اليمنية القائمة، فهناك محاولات كبرى من مستفيدين إقليميين يرغبون في متابعة المشهد العكسري في اليمن ليس من أجل إنهاء الأزمة؛ بل إن الفكرة تكمن في كونهم ينتظرون خروج الحرب عن نطاق السيطرة إقليمياً ودولياً، ولذلك تعكس الحالة العسكرية للحرب وتطوراتها كيف تسعى دول بعينها للاستفادة من هذه الحرب، ويمكن مناقشة هذه المستويات من خلال ثلاثة اتجاهات تدعم هذه الفكرة:
الاتجاه الأول: وهو الأهم، وتمثله قوى ساعية لتطوير القوة الحوثية عبر تزويدها بالمال والمعدات والخبراء خلال العقد الماضي، مما ساهم فعليا في مضاعفة المقاتلين الحوثيين الى أرقام كبيرة، هذه القوى لا تمتلك أي هدف استراتيجي يمكن ان يخدمها في اليمن سوى مضايقة السعودية في مسار أيديولوجي أكثر من غيره، كما أنها ترى في دعمها للحوثي عامل ضغط كبير على أميركا وحتى على إسرائيل.
الاتجاه الثاني: دول إقليمية لديها رغبة في أن تلعب أدوارا أكبر من إمكاناتها الاستراتيجية عبر ممارسة سياسات تكتيكية قصيرة المدى، بينما لا تدرك أن البعد الاستراتيجي لتدخلها في اليمن قد يكلفها الكثير مستقبلاً؛ خاصة ان اليمن دولة معقدة ومتقلبة في تكوينها، فاليمن وعبر تاريخها أثبتت أنها قابلة للتدوير السريع وإعادة إنتاج نفس المشكلات لسنوات طويلة، ولذلك يمكن القول أن التجربة السياسية اليمينة أثبتت ان أيًا من دول الإقليم التي تحاول ان تمد يدها للمساهمة في تغيير مسار الأزمة اليمنية سوف تجد نفسها في النهاية في مواجهة مكشوفة مع دول الإقليم، فالتحول السياسي سريع في اليمن وقادر على قلب الطاولة بسرعة أكبر، فكما استولى الحوثيون على صنعاء خلال أيام فلا يستبعد ان تستعاد صنعاء قريبا وخلال أيام ليس بفعل قوة إقليمية أو بسبب الحرب وحدها؛ ولكن بسبب قدرة هذه الدولة وشعبها على تدوير المنتج السياسي لديها لأسباب قد تكون سهلة كما أثبتها تاريخ هذه الدولة، وهنا يجب على دول الإقليم التي تعتقد أنه يمكنها الاسفادة من هذه الأزمة قراءة التاريخ قبل الذهاب الى تفسيرات مرتبكة لموقفها من الأزمة اليمنية.
الاتجاه الثالث: وهو الأخطر على المستوى الدولي، فالحالة اليمنية تحولت الى فضاء مباشر لتنافس أقطاب دولية كبرى تسعى لممارسة الضغط المتبادل بينها، وهذا ما دفع دولا كبرى في العالم -دون تسمية- نحو استثمار الحالة اليمنية وتحويلها إلى ساحة يمكن عبرها بناء معادلة مختلفة للتوازن الدولي القائم، وهنا تكمن الخطورة؛ ليس على الإقليم فقط، وإنما على العالم أجمع حيث المسؤولية الدولية تتوسع، فتحول اليمن الى ساحة تصفيات بين قوى إقليمية ودولية مكلف، ففي النهاية سوف تكون النتائج كارثية، ولا يمكن تفادي نتائجها السياسية والعسكرية والاقتصادية.










































