اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
فهد الدريبي
تتسابق حلقات البودكاست لعرض عدة نماذج تعمل بالتجارة على أنها «قصص نجاح» سريعة. وهي حديثة عهد بعالم الأعمال أو «أقليات قليلة» ، لكنها عالية الضجيج، تُصدِّر خطاباً واحداً: الثراء السريع، نزعة الاستعراض، والخلط المتعمد بين الشهرة والنجاح. وبين هذا الضباب، يبرز سؤال يستحق التوقف عنده بعمق: هل حان الوقت فعلًا لتكون تاجراً؟ او أن الوقت حان أولاً لإعادة تعريف معنى التجارة والتاجر؟
التاجر الحقيقي ليس صورة مصقولة ولا عنواناً رناناً، بل مساراً طويلاً من القرارات الصعبة، والعمل اليومي الدؤوب، والقدرة على التحمّل. التجارة، في داخلها، ليست مغامرة مزاجية ولا قفزة في المجهول بدافع التقليد؛ هي حرفة تُبنى على أسس واضحة، وتتطلب استعداداً نفسياً ومعرفياً ومهنياً وعلاقات واسعة ومعلومات كافية.
التاجر الحقيقي، هو من ينطلق من معرفة، لا من رغبة فقط. من خبرة، لا من حماس عابر. التاجر الحقيقي يفهم سوقه، يعرف عملاءه، يدرك سلاسل التوريد، ويحسب المخاطر قبل الأرباح. لا يكتفي بالشعارات، بل يقرأ الأرقام، ويتعلم من الفشل بقدر ما يحتفي بالنجاح.
والعلم ليس ترفاً، والخبرة ليست خياراً مؤجلاً. من يدخل التجارة دون معرفة بأساسيات الإدارة، والتمويل، والتسويق، والقانون، يراهن على الحظ. والحظ لا يبني منشآت مستدامة. التعلم المستمر، والدورات المتخصصة، والاطلاع على تجارب الآخرين، كلها أدوات لا غنى عنها.
والسجل المهني مهم، ولكن ليس شرطاً أن تكون إنجازات ضخمة، لكن وجود تجارب عملية صغيرة يعكس قدرة على التنفيذ. من لم يختبر الالتزام، وضغط الوقت، ومسؤولية النتائج، سيصطدم بواقع مختلف تماماً عند أول أزمة.
التجارة في بداياتها تتطلب جهداً استثنائياً، وساعات طويلة، قرارات متلاحقة، ومتابعة دقيقة. من لا يحتمل هذا الإيقاع، أو يطلب التوازن قبل الاستقرار، قد يكتشف أن الصورة الوردية لا تشبه الواقع. والخبراء يختصرون الطريق ، فمستشار فني متمرس يجنّبك أخطاء مكلفة، ويوجهك نحو أفضل الممارسات. الاستشارة ليست ضعفاً، بل ذكاء إداري. فالمنشآت الناجحة لا تُدار بعقل واحد.
والإرث المهني ليس شرطاً، لكنه ميزة إن وُجد. المعرفة المتراكمة، والعلاقات، وفهم السوق المحلي، كلها عناصر تساعد على الانطلاق بثبات. وإن لم يتوفر الإرث، فبناء شبكة مهنية بديلة يصبح ضرورة.
والتفاوض، وبناء الثقة، وإدارة الخلافات، والتواصل الفعّال مع الشركاء والموظفين والعملاء كلها مهارات لا تقل أهمية عن جودة المنتج، والذكاء الاجتماعي يحمي المشروع في الأزمات ويفتح الأبواب في الفرص.
كما أن الحس التجاري يُصقل بالتجربة، لكنه يبدأ بقدرة على قراءة الفرص، وتوقيت القرارات، وفهم ما يريده السوق قبل أن يطلبه. فليس كل متعلم تاجراً ناجحاً، لكن كل تاجر ناجح يتعلم باستمرار.
والنضج التجاري يعني معرفة متى تستمر ومتى تتوقف. الإصرار الأعمى قد يحوّل الخسارة المحدودة إلى نزيف دائم. الشجاعة أحياناً تكون في الانسحاب المنظّم، وإعادة التقييم، ثم العودة بخطة أفضل. والأفكار فقط لا تُدير منشآت. فالانضباط اليومي، والمتابعة الدقيقة، والالتزام بالجودة، هي ما يحوّل الرؤية إلى واقع. دون ذلك، تتراكم الأخطاء وتضيع الفرص.
والرؤية بعيدة المدى تميّز التاجر عن المضارب، والتخطيط للمستقبل، ومواكبة التحولات التقنية، وبناء الاستدامة، عناصر أساسية في عالم سريع التغير، ومن لا يرى أبعد من الغد، قد يفوته الغد نفسه.
أخيراً:
السؤال ليس: هل تريد أن تكون تاجراً؟ بل: هل أنت مستعد لأن تكون تاجراً؟ بين بريق المنصات وصلابة الواقع، مساحة واسعة لا يعبرها إلا من امتلك الوعي، والعمل، والالتزام. التجارة ليست موضة، بل مسؤولية.










































