اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦
جميل البلوي
تُختبر مكانة الدول في أوقات الأزمات بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، والمحافظة على استقرار مصالحها ومصالح شركائها، مهما تعقدت الظروف. وفي قطاع حيوي تتأثر به اقتصادات العالم، كقطاع الطاقة، تكتسب هذه القدرة أهمية خاصة، إذ لا يكفي امتلاك الموارد ما لم تقترن بإمكانات تضمن استمرار الإنتاج ووصول الإمدادات إلى الأسواق.
ومن هذا المنطلق، فإن تأكيد مجلس الوزراء مواصلة المملكة توفير إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية بموثوقية، رغم التحديات التي تشهدها المنطقة، يحمل دلالة تتجاوز انتظام العمليات التشغيلية إلى ثبات السياسة السعودية في الوفاء بالتزاماتها الدولية، والمحافظة على دورها في استقرار أسواق الطاقة.
ولم يكن هذا الدور وليد الظروف الراهنة، فقد اختارت المملكة منذ عقود أن تكون عنصر استقرار في السوق النفطية، وأدركت مبكرًا أن المحافظة على توازن الأسواق تخدم مصالحها الوطنية بقدر ما تخدم مصالح الاقتصاد العالمي. ولذلك لم تنظر إلى إنتاج النفط باعتباره موردًا اقتصاديًا فحسب، وإنما مسؤولية تقتضي حسن إدارة الموارد، واستدامة الاستثمارات، ومراعاة احتياجات الأسواق.
وقد أثبتت التجارب أن أمن الطاقة لا يتحقق بالقرارات المؤقتة، ولا بالاستجابة لضغوط السوق عند كل أزمة، وإنما بسياسات مستقرة واستثمارات بعيدة المدى، وهو النهج الذي اعتمدته المملكة في تطوير قدراتها الإنتاجية ومرافق التخزين والنقل وسلاسل الإمداد. وهذه الاستثمارات هي التي تمنح الموثوقية معناها الفعلي، وتجعل الوفاء بالالتزامات ممكنًا حتى في الظروف الصعبة.
ولعل ما يميز السياسة السعودية أنها تنطلق من إدراك لطبيعة العلاقة بين المنتجين والمستهلكين، وأن استقرار السوق لا يمكن أن يتحقق على حساب أحد طرفيها. ومن هنا جاءت جهود المملكة، بالتعاون مع شركائها في «أوبك+»، للمحافظة على توازن الأسواق والحد من التقلبات الحادة، بما يوفر قدرًا أكبر من اليقين للاقتصاد العالمي ويشجع الاستثمارات المستقبلية في قطاع الطاقة.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل الاعتداءات الإرهابية التي تشنها ميليشيا الحوثي، وما تمثله من تهديد لأمن الملاحة البحرية وسلامة الممرات الدولية وإمدادات الطاقة. فهذه الاعتداءات لا تستهدف أمن المملكة والمنطقة وحدهما، وإنما تمتد تداعياتها إلى حركة التجارة الدولية ومصالح الدول المستوردة للطاقة.
وجاء موقف مجلس الوزراء حازمًا في رفض جميع الانتهاكات التي تهدد أمن الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية، مؤكدًا ضرورة اتخاذ المجتمع الدولي إجراءات عاجلة تكفل سلامة الممرات البحرية وتطبيق القانون الدولي. فاستمرار هذه التهديدات يستوجب موقفًا دوليًا مسؤولًا يتناسب مع خطورتها على الاقتصاد العالمي.
إن ما أكد عليه مجلس الوزراء بشأن موثوقية الإمدادات السعودية يضع أمام العالم حقيقة مهمة، وهي أن استقرار الطاقة يحتاج إلى دول تمتلك القدرة والإرادة معًا؛ القدرة على توفير الإمدادات، والإرادة السياسية التي تجعل الوفاء بالالتزامات نهجًا ثابتًا لا يتغير بتغير الظروف.
وستظل موثوقية الإمدادات السعودية إحدى الركائز التي تستند إليها مكانة المملكة الاقتصادية والدولية، وشاهدًا على سياسة تضع المصالح الوطنية في موضعها الصحيح، وتدرك في الوقت نفسه أن استقرار الاقتصاد العالمي مسؤولية مشتركة، وأن الثقة التي تُبنى عبر عقود من الالتزام هي الرصيد الأهم في أوقات الأزمات.










































