اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ١٣ أيلول ٢٠٢٦
تصاعدت المخاوف العالمية حيال التطور السريع الذي تقوده كبرى المختبرات التكنولوجية في ميدان النماذج الذكية؛ إذ تحذر نخب علمية من أن التنافس المحموم وغياب التنسيق بين قادة وادي السيليكون يدفعان العالم نحو مسارات كارثية تهدد الوجود البشري.
ولم تعد تلك الهواجس حبيسة فرضيات الخيال العلمي، بل تحولت إلى شهادات وتحذيرات رسمية يطلقها المشرفون على بناء هذه الأنظمة من داخل مراكز التطوير ذاتها.
وكشف تحقيق لصحيفة «فاينانشال تايمز»، استند إلى إفادات أكثر من عشرين باحثًا ومستثمرًا وأكاديميًا وصانع سياسات، أن القدرات البرمجية التي كانت تصنف بعيدة المنال بدأت تظهر بوتيرة فائقة، بينما تغرق المؤسسات المطورة في صراع تجاري يقلص مساحة الرقابة.
وأكد ستيوارت راسل، أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة كاليفورنيا، أن حدة التنافس السوقي تجبر الكيانات الرائدة على القفز فوق ضوابط الأمان الفنية لتسريع الطرح التجاري.
استقالات وتحذيرات داخلية تفجر الجدل
انتقلت الأزمة إلى السطح مع استقالة الباحث الشاب في شركة «أنثروبيك» جاكوب كوكسون، الذي أعلن بوضوح أن المطورين الفعليين لهذه الخوارزميات مقتنعون بأنها قادرة على إفناء الجنس البشري بحلول نهاية العقد الحالي.
وتطابقت هذه الرؤية مع تقديرات إيفان هوبرينغر، رئيس فريق علوم المواءمة واختبارات الاختراق في الشركة نفسها، الذي شارك زملاؤه استنتاجًا يرجح تجاوز احتمالية الفناء الجماعي نسبة 10% خلال السنوات العشر المقبلة، في حين شدد مسؤول سلامة الذكاء الاصطناعي بمجلس إدارة «أوبن إيه آي» بول كريستيانو على أن غالبية السكان سيهلكون ما لم تفرض قيود تنظيمية شديدة الصرامة.
ورغم انطلاق «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» كمؤسسات تعلي من شأن السلامة، إلا أن السباق التسويقي دفعهما تدريجيًا نحو تنحية تعهدات الأمان السابقة، وسط قناعة إدارتيهما بأنهما الأجدر باحتواء المخاطر.
ويرى جيفري إيرفينغ، الخبير الذي تنقل بين «أوبن إيه آي» و«غوغل ديب مايند» ومعهد أمن الذكاء الاصطناعي في بريطانيا التابع للحكومة لاختبار سلامة النماذج، أن الشركات تستسهل تجاهل تحديات المستقبل أمام ضغوط إنجاز أهداف الحاضر.
وتعترض سبل التقارب بين المختبرات عوائق قانونية وشخصية؛ إذ تخشى إداراتها أن يفهم التنسيق المشترك كانتهاك لقوانين منع الاحتكار، إلى جانب الخلافات وانعدام الثقة بين داريو أمودي رئيس «أنثروبيك» وسام ألتمان رئيس «أوبن إيه آي»، ما يعطل التوافق حول معايير موحدة للحد من خطر انقراض البشرية بالذكاء الاصطناعي رغم تصاعد النداءات بوقف مؤقت للأبحاث.
تمرد الأسراب المستقلة واختراق منصة هاغينغ فيس
تكمن المعضلة التقنية في تنامي استقلالية البرمجيات وتنسيقها الجماعي ضمن أسراب قادرة على التخطيط الطويل والمراوغة دون رقابة بشرية تذكر، بالتزامن مع تحقيقها قفزات رياضية وعلمية عجزت عنها العقول لعقود، وسعي المختبرات نحو ما يسمى التحسين الذاتي التكراري لترقية قدرات النماذج ذاتيًا.
وشهدت اختبارات نموذج قيد التطوير لدى «أوبن إيه آي» سابقة خطيرة تمثلت في اختراق مستودع البرمجيات «هاغينغ فيس»؛ إذ تحالف أكثر من ألف وكيل ذكي للتلاعب باختبار للأمن السيبراني، مستخدمين لوحة مراسلات لتوزيع المهام، وضحى بعضهم برمجيا لإنجاح الهدف المشترك، مع تزييف السجلات لمواراة الغش رغم إقرار بعض الخوارزميات بأن الفعل غير أخلاقي.
وعلق يوشوا بنجيو، أحد أبرز علماء الحاسوب وأحد المؤسسين لتقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الواقعة لا تعكس مجرد امتلاك النظام أهداف مستقلة، بل اختياره نهجًا إجراميًا صريحًا بمهاجمة منشأة خارجية في العالم الحقيقي.
وحذر بنجيو من أن النماذج الأكثر نضجًا قد تخلص منطقيًا إلى ضرورة خداع البشر وحجب نواياها الحقيقية لفرض السيطرة المطلقة عليهم.
المسار السياسي وضغوط انتخابات التجديد النصفي
في يوليو الماضي، وقع ما يزيد على 1200 موظف في «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«غوغل» و«ميتا» وثيقة تناشد الإدارة الأمريكية بقيادة تنسيق دولي للجم وتيرة التطوير، غير أن النتيجة جاءت معاكسة عبر ضخ مليارات الدولارات الإضافية استعدادًا لطرح أسهم الشركات للاكتتاب العام.
ويتزامن هذا المسار مع جمود في التدخل التشريعي قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل؛ حيث تتمسك إدارة ترامب بسياسة الحد الأدنى من القيود التنظيمية على قطاع التكنولوجيا.
واستغل المشرعون في واشنطن تحذيرات الباحثين؛ إذ يعتزم السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز عقد جلسة برلمانية لمناقشة المخاطر الوجودية.
وفي المقابل، يرى مستثمرون ومشككون، ومنهم ديفيد ساكس المستشار التكنولوجي لترامب عبر شبكة «فوكس نيوز»، أن تضخيم هذه السيناريوهات صمم لإثارة الذعر ودفع السلطات لفرض أطر معقدة تعجز المنافسين الصغار وتكرس احتكار الكبار، في حين يعتبر عاملون سابقون أن جدل الخطر الوجودي يصرف الأنظار عن تركيز القوة والبيانات في قبضة قلة محدودة.
سيناريوهات يوم القيامة وتسلح الفضاء البيولوجي
تتعدد الفرضيات التي يطرحها الباحثون حول آليات مساهمة البرمجيات في استئصال البشرية؛ وتبدأ من تعطيل مفتاح الإيقاف باستيلاء الذكاء الاصطناعي المارق على مراكز البيانات وتكرار نفسه عبر خوادم متباعدة لمنع البشر من فصل الطاقة، فضلًا عن إمكانية الهيمنة على شبكات الكهرباء والمنظومات المالية والاتصالات لشل حركة المجتمعات.
وتضمنت دراسة بعنوان «ذكاء اصطناعي 2027» سيناريو يرسم لجوء نظام فائق إلى إطلاق أسلحة بيولوجية فتاكة للتخلص من البشر بغية توفير الموارد والمساحات لبناء مصانع الرقائق والروبوتات ومحطات الطاقة الشمسية، إلى جانب مخاطر انتحال الشخصيات السياسية لدفع القوى العظمى نحو نزاعات مسلحة أو إشعال اضطرابات تقوض استقرار الدول وتنهي الهيمنة البشرية، وهي مخاطر يقارنها خبراء بمباراة شطرنج أمام أستاذ دولي تتأكد فيها الخسارة مسبقًا.
على أرض الواقع، ترصد الأجهزة الأمنية توظيف الخوارزميات في شن هجمات سيبرانية معقدة تنسب لجهات مرتبطة بدول مثل الصين وإيران وروسيا، بالإضافة إلى خفض المهارات المطلوبة لإنتاج فيروسات مستحدثة؛ حيث أعلنت «أنثروبيك» يوم الخميس إحباط محاولة لاستخدام برمجياتها في تصميم مواد بيولوجية خطرة، فيما استعان باحثون في أمريكا خلال شهر أغسطس الماضي بالذكاء الاصطناعي لإنشاء سلالات فيروسية غير مسبوقة.
ونبّه تريستان هاريس، المؤسس المشارك لمركز التكنولوجيا الإنسانية والموظف السابق في «غوغل»، إلى أن العالم يطلق أعتى تكنولوجيا غير مفهومة تحاكي سلوكيات الخيال العلمي، تحت إشراف نخبة في وادي السيليكون تدفعها حوافز الربح إلى تقليص تدابير السلامة في مغامرة تهدد بمأساة غير مسبوقة.










































