اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ نيسان ٢٠٢٦
شقراء - محمد الحسيني
شهدت مدينة القصب أمسية ثقافية حافلة نظّمتها جمعية الأدب المهنية عبر سفارة الوشم الأدبية، احتفاءً بسيرة الكاتب الاجتماعي والثقافي الراحل عبد الله بن عبدالرحمن الجعيثن، وسط حضور كبير من الأدباء والمثقفين ومحبي الفقيد، يتقدمهم ابنه أحمد الجعيثن وإخوانه محمد وفهد وخالد.
وأقيمت الأمسية في أجواء أدبية مميزة، قدّمها، أ. عبد الله بن براهيم الحنيشل، بمحاضرة أ. عبدالله الحسني وأدار جلستها د. عثمان بن عبد العزيز المنيع، واستهلها الحنيشل بترحيب حار بمدينة القصب، التي وصفها بـ 'مدينة الذهب الأبيض' بمحافظة شقراء، مشيراً إلى مكانتها كبوابة الوشم الشرقية. وعبّر عن شكره وامتنانه لجميع الحضور، مقدماً الترحيب باسم أهالي القصب كافة. كما خصّ بالشكر الأستاذة حصة ناصر الفوزان، والدة الأستاذ أحمد بن عبد الله الجعيثن، وشقيقاته، بالإضافة إلى أعمامه الأساتذة محمد وفهد وخالد.
وفي مقدمة الأمسية قال رئيس سفارة الوشم الدكتور عبد اللطيف بن محمد الحميد: إن إنشاء السفارات الأدبية - ومن بينها سفارة الوشم – جاء ضمن مبادرة وطنية أطلقتها وزارة الثقافة وهيئة الأدب والنشر والترجمة وجمعية الأدب المهنية في جمادى الآخرة 1447هـ (نوفمبر 2025م)، بهدف تمكين الأدباء وتعزيز الحراك الثقافي في مختلف مدن المملكة.
واستعرض الحميد أبرز فعاليات السفارة منذ تأسيسها، ومنها، شقراء في قصيدة زياد بن منقذ العدوي، الشاعر حمد الحجي، الإبداع والمعاناة، اليوم العالمي للقصة القصيرة، يوم التأسيس السعودي، اليوم العالمي للشعر.
وأضاف: 'نلتقي اليوم للاحتفاء برمز وطني كبير، الكاتب الراحل عبد الله الجعيثن، في محاضرة يديرها السفير د. عثمان المنيع'، مقدماً شكره لأهالي القصب وأسرة الراحل على كرم الضيافة. ومن خلال محاضرته التي حملت عنوانًا دالًا على: 'صوتٌ يكتب من عمق الحياة.. لا من صخبها'، استعرض من خلالها الحسني تجربة الراحل عبد الله الجعيثن بوصفها نموذجًا للكاتب، الذي ظلّ حاضرًا في النص رغم غيابه عن المشهد العام.
وأشار الحسني إلى ندرة المصادر التي تناولت سيرة الجعيثن، مؤكداً أن هذا الشح لا يعكس تقصيراً بقدر ما يكشف عن فجوة في التاريخ الثقافي المحلي، داعيًا إلى إعادة كتابة سير الكتّاب بوعيٍ نقدي أعمق يضع تجاربهم في سياقاتها الحقيقية وينصف أثرهم في الذاكرة الأدبية.
وتوقفت المحاضرة عند ملامح التجربة الإبداعية للراحل، مبينة أن كتابته جاءت من تداخل حيّ بين المعرفة والحياة، وهو ما منح نصوصه صدقها وعمقها.
وأشار المحاضر إلى أن الجعيثن لم يتكوّن داخل إطار مؤسسي واحد، بل تشكّل عبر مزيج من دراسته للغة، وخبراته الحياتية، وقراءاته الواسعة، فانعكس ذلك في مقالات تجاوزت الخبر إلى التأمل وصناعة المعنى. كما أبرزت الورقة تنوع موضوعاته بين الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، مؤكدة أن هذا التنوع امتداد لتجربة ثرية تغذت من التراث العربي والنصوص الدينية والأدب الحديث، وهو ما بدا في أسلوبه الذي يوظف التناص الشعري لتكثيف الفكرة. وتطرقت كذلك إلى الجانب الإنساني في شخصيته، مشيرة إلى تواصله المهني الرفيق ووعيه بأخلاقيات الكلمة.
وختمت المحاضرة بالإشارة إلى اختياره الابتعاد عن الأضواء، معتبرة أن غيابه عن المشهد لم يكن انسحاباً، بل شكلاً آخر من الحضور، بقي فيه صوته واضحاً في النص وإن غاب عن المنابر.
رسالة تقدير من مؤسسة اليمامة الصحفية
وفي كلمة مسجّلة، عبّر الأستاذ خالد بن فهد العريفي مدير عام مؤسسة اليمامة الصحفية، عن أسفه لعدم تمكنه من حضور اللقاء لظرف طارئ، مؤكداً أن الاحتفاء بالجعيثن هو 'أقل ما يُقدّم وفاءً لقامة أدبية كبيرة، قريبة من الناس، مشغولة بقضاياهم، وذات إرث ثري من الكتب والمقالات'.
وقال: 'لقد كان عبد الله الجعيثن -رحمه الله- كاتباً وأديباً مميزاً، قريباً من الناس، مشغولاً بقضاياهم، حاضراً بقوة في المشهد الثقافي، وترك إرثاً ثرياً من الكتب والمقالات، إلى جانب سيرة إنسانية نبيلة اتسمت بالبساطة، وصدق المشاعر، ومحبة الجميع'.
القصب.. ذاكرة الكاتب الأولى
كما رحّب المستشار خالد بن ناصر الحميد بالحضور، مؤكداً أن إقامة الأمسية في القصب -مسقط رأس الجعيثن - تحمل دلالة عميقة، إذ شكّلت هذه البلدة جزءاً من وجدانه الإبداعي. وقال: 'إن اختيار الجمعية عنوان: (الكاتب الراحل عبد الله الجعيثن) للأمسية الأدبية يعكس اعتزاز جمعية الأدب المهنية بالوشم بقامةٍ أدبيةٍ أدّت رسالتها بصدق، ويجسّد استحضاراً واعياً لسيرة أديبٍ جعل من الكلمة رسالة، ومن الأدب أثراً كبيراً.
شهادات من رفاق الدرب
وقدّم أ. محمد عثمان المنصور - وكيل وزارة الإعلام المساعد لشؤون الإذاعة سابقاً - شهادة مؤثرة عن بدايات الجعيثن في الإذاعة قبل خمسين عاماً، عبر مداخلة استعاد فيها أول لقاء جمعه بالراحل في إذاعة الرياض، حين دخل عليه شاب مهذب يعرّف بنفسه قائلاً: «اسمي عبد الله الجعيثن، مهتم بالصحافة ومستمع للإذاعة»، مقدماً فقرات كتبها من تلقاء نفسه لبرنامج مائة ثانية. وأوضح المنصور أن تلك اللحظة كانت بداية مسيرة إذاعية لافتة.
كما قدّم الشاعر عبد الله بن سالم الحميد جانباً من سيرة الراحل عبد الله الجعيثن، مؤكداً أن حياته كانت حافلة بالعطاء المتجدد عبر قنوات النشر الإعلامي المتنوعة. وأوضح أن الجعيثن امتلك ثقافة واسعة وذاكرة واعية صاغت تجربته من قراءات عميقة في الأدب والتراث، ومن عزلته الإيجابية وتأمله الدائم، إضافة إلى ما اكتسبه من رؤى أساتذته ومعاصريه ورحلاته التي أغنت تجربته.
وقدّم د. محمد الفاضل عضو هيئة التدريس بجامعة سلطان، مداخلة ثرية استعاد فيها ذكرياته مع الراحل عبدالله الجعيثن منذ أيام الدراسة في كلية اللغة العربية بين عامي 1389هـ و1393هـ، مؤكداً أن الجعيثن -رغم كونه منتسباً- كان من أكثر الطلاب جدية وتفوقاً، حتى اختارته الجامعة معيداً ضمن العشرة الأوائل، في استثناء نادر يعكس تميّزه العلمي.
ومن جانبه أشاد د. صالح العليوي بأهالي القصب على احتفائهم بالكاتب الراحل، مثمّناً ما تنعم به المملكة من أمن واستقرار بفضل قيادتها، ومؤكداً أن هذا الوفاء يعكس مكانة عبد الله الجعيثن في الوجدان الثقافي.
أما الروائي والشاعر خالد الغيلاني فاستعاد ذكرياته مع زاوية الجعيثن في صحيفة 'الرياض'، مشيراً إلى تأثير أسلوبه السلس واستشهاداته الشعرية، ومؤكداً أن الراحل كان 'ثروة أدبية ومصدراً للتراث'.
ومن جانبه عبّر أ. حمد الدعيج عضو سفارة الوشم عن سعادته بهذه المناسبة، قائلاً: إن حضور هذه الأمسية كان «حضورًا مبهجًا في محاضرة استنباط تاريخ أستاذنا وزميلنا في جريدة 'الرياض' الراحل عبد الله الجعيثن رحمه الله».
كذلك قدّم د. عبد الله الحيدري، مداخلة أشار فيها إلى أبرز مصادر ثقافة الراحل عبد الله الجعيثن، موضحًا أنها تشكّلت من ثلاثة روافد رئيسة: دراسته الأكاديمية في كلية اللغة العربية، وبيئة القصب الغنية بالشعر الشعبي ورواته، ثم خبرته العملية في التجارة التي صقلت قدرته على كتابة المقالة الاقتصادية بلغة أدبية رشيقة. وأكد الحيدري أن اجتماع هذه العناصر منح الجعيثن صوتًا مميزًا يجمع بين المعرفة والواقع، وجعل من تجربته نموذجًا فريدًا في الكتابة الصحفية السعودية.
أيضاً عبر الأستاذ حمد بن دباس السويلم عن إعجابه بالأمسية والمحاضرة التي ألقاها عبد الله الحسني قائلاً: إن للأصالة مجلسها وللثقافة مقامها، وإن محاضرة استحضار سيرة الراحل عبد الله الجعيثن كانت أمسية بهية ازدانت بها القصب. وأضاف أن الجعيثن كان قامة سامقة وصوتاً ظل يتردد في فضاء الأدب لما يقارب نصف قرن، تاركاً أثراً لا يُمحى وذكراً لا يبلى.
إشادات واقتراحات
وفي ختام المداخلات، أكد الدكتور عثمان المنيع أن المحاضرة نجحت في اختصار سنوات طويلة من إبداع الجعيثن، مقدماً شكره لأسرة الراحل على حسن الاستقبال وكرم الضيافة.
كما طرح م. عبد الرحمن البواردي -رئيس نادي الوشم سابقاً- مقترحاً بإنشاء منصة أدبية تراثية في القصب تجمع إنتاج الجعيثن وغيره من أدباء وشعراء المنطقة، على غرار مكتبة عبد الكريم الجهيمان في شقراء التراثية.
تكريم المشاركين
وفي ختام الأمسية، قدم رئيس سفارة الوشم شهادات جمعية الأدب لرئيس بلدية القصب المهندس مطلق أبو اثنين والمحاضر ومدير اللقاء، تقديراً لجهودهم في إنجاح هذا الاحتفاء الثقافي المميز.










































