اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٠ أب ٢٠٢٦
علي بن محمد الغامدي
كان إنتاج الإعلان، إلى وقت قريب، امتيازًا لمن يملك الميزانية؛ فالفكرة تحتاج إلى وكالة، والصورة إلى مصور، والفيديو إلى مخرج وممثلين وموقع تصوير ومونتاج، ثم تأتي بعد ذلك كله تكلفة شراء المساحة الإعلانية، ولهذا لم تكن المنافسة بين العلامات التجارية قائمة على جودة الفكرة وحدها، بل كذلك على القدرة المالية التي تسمح بتحويلها إلى محتوى، ثم إيصاله إلى الجمهور.
جاء الإنترنت فخفض كلفة النشر، ثم جاءت منصات التواصل وفتحت أبواب التفاعل المباشر مع الجمهور، واليوم يأتي الذكاء الاصطناعي التوليدي ليزيل آخر الحواجز تقريبًا: حاجز الإنتاج نفسه.
فما كان يحتاج إلى أسابيع يمكن إنجازه في ساعات، وما كان يتطلب فريقًا كاملًا قد تنتجه منصة واحدة، وما كان يُصنع في نسخة واحدة يمكن تحويله خلال لحظات إلى عشرات النسخ واللغات والمقاسات، بل إن ما كان يحتاج إلى ميزانيات ضخمة، أصبح من الممكن إنتاجه اليوم بجهد احترافي محدود، وبمستوى إبداعي يضاهي أعمال أشهر الوكالات العالمية.
فالمشهد أصبح أكبر من مجرد أداة تكتب إعلانًا أو تصنع مقطعًا؛ نحن نقترب من منظومة تستطيع أن تقترح الفكرة، وتنتج المادة، وتختار الجمهور، وتوزع الميزانية، وتختبر النسخ المختلفة، ثم تقيس النتائج وتقرر ما ينبغي تغييره.
وقد تبدو هذه لحظة مثالية للتسويق: محتوى أكثر، بسرعة أعلى، وتكلفة أقل، لكن خلف هذا الوعد تختبئ مفارقة كبيرة؛ فإذا أصبح الجميع قادرين على إنتاج كل شيء، فما الذي سيجعل أي مادة إعلانية تستحق المشاهدة. وهنا لا يعود السؤال: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل للمسوّق؟ بل يصبح: ما الذي سيبقى للمسوّق عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي تنفيذ معظم ما كان يفعله؟
الإجابة ليست أن وظيفة التسويق ستختفي، بل إن مركز ثقلها سيتغير. فقيمة المسوّق لن تبقى في قدرته على تشغيل الأدوات أو زيادة عدد المنشورات، وإنما في فهمه الأعمق للإنسان والسوق والثقافة، وفي قدرته على اتخاذ قرار لا تستطيع المنصة اتخاذه وحدها.
لقد أصبح استخدام الذكاء الاصطناعي شائعًا إلى درجة أنه لم يعد ميزة تنافسية في حد ذاته. ووفق تقرير «حالة التسويق 2026» الصادر عن HubSpot، يستخدم 80 % من المسوّقين الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، و75 % في الإنتاج الإعلامي، بينما يرى 61 % منهم أن التسويق يمر بأكبر تحول يشهده منذ عشرين عامًا، فعندما تستخدم غالبية الشركات الأدوات نفسها، وتتغذى هذه الأدوات على الأنماط نفسها، وتتحسن وفق مؤشرات الأداء نفسها، يظهر خطر لم يكن في الحسبان: أن تتشابه الكفاءة ويتلاشى التميّز.
فقد نحصل على آلاف الإعلانات المصقولة، لكنها تحمل الإيقاع البصري ذاته، والجمل القصيرة ذاتها، والموسيقى ذاتها، والوجوه المثالية ذاتها. محتوى صحيح من الناحية التقنية، لكنه بلا ذاكرة، كما أن كثرة المحتوى المصطنع قد تجعل الثقة أكثر ندرة من الانتباه نفسه. فقد نشرت «eMarketer» بيانات أظهرت أن 31% من المستهلكين يقولون إن ظهور استخدام الذكاء الاصطناعي في المحتوى التسويقي يقلل ثقتهم بالعلامة.
ولذلك قد يصبح «المحتوى البشري» في ذاته قيمة تسويقية، وقد تبدأ بعض العلامات في التأكيد أن وجوهها حقيقية، وقصصها حقيقية، وتجارب عملائها غير مصطنعة، مثلما تحولت كلمة «طبيعي» في المنتجات الغذائية إلى عنصر للتميّز بعد انتشار التصنيع. وربما نرى قريبًا شهادات أو علامات توضح مقدار التدخل البشري في إنتاج الإعلان، لا بدافع أخلاقي فحسب، بل بوصف ذلك جزءًا من وعد العلامة التجارية.
لقد أمضى التسويق الرقمي سنوات يقيس النجاح بعدد مرات الظهور. أما في زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنتاج عدد لا نهائي من المواد، فقد أصبح السؤال الأهم: أي أثر يبقى بعد الظهور؟ ، ففي المرحلة المقبلة، لن تكون العلامة الأقوى هي الأكثر كلامًا ولا الأعلى صوتًا، بل الأكثر قدرة على قول شيء لا يشبه ما يقوله الجميع، وعلى تحويل التقنية إلى امتداد للخبرة والمعرفة والتميّز البشري.










































