اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ أيلول ٢٠٢٦
علي بن محمد الغامدي
قد تدخل تطبيقًا لشراء منتج واحد، ثم تخرج بسلة تتجاوز ما خططت له، كما قد تضطر لمغادرة منصة تقدم خدمة تحتاجها فعلياً فقط لأن خطواتها أربكتك. وراء هذين الموقفين تفاصيل تبدو صغيرة، مثل ترتيب الخيارات، وصياغة الرسائل، ومكان الأزرار، وطريقة عرض الأسعار، والتي تقوم بالتأثير على قرار الشراء.
الجانب النفسي 'السيكولوجي' للمنتجات الرقمية يهتم بكيفية تفكير المستخدم ومدى استجابته لما يُعرض أمامه، فحين تتزاحم الخيارات ويصعب التمييز بينها، يزداد التردد ويطول وقت اتخاذ القرار، ومن هنا تأتي أهمية تنظيم المنتجات، وتوضيح الفروق بينها وإظهار الخطوات المتبقية لإتمام الطلب، هذه الممارسات تخفف العبء الذهني، وتجعل التجربة أكثر وضوحًا، دون أن يؤدي اختصارها إلى إخفاء معلومات ضرورية يحتاجها العميل.
فهم سلوك المستخدم يمتد إلى تخصيص التجربة؛ إذ تستعين المتاجر ببيانات التصفح ومعلومات شراء سابق لعرض منتجات يُرجّح توافقها مع اهتمامات العميل، فيختصر ذلك رحلة البحث، لكنه يمنح المتجر أيضًا فرصة أكبر للتأثير في اختياراته. كما قد تستكمل إعلانات إعادة الاستهداف (Retargeting) التي تجعل المنتج يلاحق العميل من 'إنستجرام' إلى محرك البحث وصولاً إلى البريد الإلكتروني ، فيُعيد إظهار منتج سبق أن شاهده عبر المنصات المختلفة لتذكيره وتشجيعه على العودة.
وعندما يعود العميل، تستقبله رسائل تخاطب دوافع أخرى؛ فعبارة 'بقيت غرفتان فقط' تستحضر الندرة، بينما قد تعزز عبارة 'يشاهد المنتج الآن أربعة أشخاص' الإحساس بالمنافسة، ويمكن لهذه الإشارات أن تثير الخوف من فوات الفرصة (FOMO) وتدفعه إلى تسريع القرار، يضاف إلى ذلك التسعير النفسي؛ فقد يبدو سعر 99 ريالًا أكثر جاذبية من 100 ريال رغم ضآلة الفارق.
وإلى جانب السعر والندرة، يحضر تأثير الدور الاجتماعي؛ إذ يستعين المستخدم بتقييمات الآخرين وتجاربهم، حيث تكتسب عبارات مثل 'الأكثر مبيعًا' و'اشتراه آلاف العملاء' قوة إقناعية، لكن قيمتها تظل مرتبطة بمدى صدقها ووضوح سياقها، فشيوع المنتج حتى وان كان صدقا لا يعني بالضرورة أنه الأنسب لكل شخص.
ثم تنتقل التجربة من الإقناع إلى تسهيل التنفيذ، فإبراز زر الشراء وحفظ بيانات الدفع بطريقة آمنة وتقليل خطوات إتمام الطلب، كلها تقلل الجهد المطلوب. في المقابل قد يشجع اشتراط حد أدنى للشحن المجاني على إضافة مشتريات غير مخطط لها، كما تفتح اقتراحات 'المنتجات المكملة' مثل عرض سلك شاحن عند شراء جوال وكذلك برامج النقاط والمكافآت أبوابًا لزيادة الإنفاق، حتى عندما يشعر العميل بأنه يحقق وفرًا أو يكسب مكافأة، فيعتقد أنه 'يربح' بينما هو في الحقيقة 'ينفق أكثر'. وتستمر المحاولة إذا ترك المستخدم سلة مشترياته دون إتمام الطلب، عبر التواصل معه برسائل التذكير والإشعارات، كما قد تجعل خدمات 'اشترِ الآن وادفع لاحقًا' يبدوا أن الالتزام المالي يظهر أخف وقعا في اللحظة الراهنة.
هذه الأدوات قد تحسن تجربة المستخدم وتخدم الطرفين، لكن الفارق يكمن في طريقة استخدامها؛ فالتنبيه إلى ندرة حقيقية يقدم معلومة مفيدة، بينما يصنع العدّاد الوهمي ضغطًا مضللًا، كما أن تسهيل أمور الشراء مفيد، ولكن تعقيد عملية الإلغاء أو إخفاء شروطها أو كتابتها بخط صغير جداً يضعف الثقة.
في المملكة، تزداد أهمية هذا التوازن؛ إذ أظهرت نتائج الهيئة العامة للإحصاء لعام 2025 أن 99% من الأفراد بعمر 15–74 عامًا يستخدمون الإنترنت، ومع هذا الانتشار ومستهدفات رؤية السعودية 2030، تصبح جودة التجربة مسؤولية اقتصادية واجتماعية، اضافة الى أهمية مراعاة المتطلبات التقنية لكبار السن وذوي الإعاقة، ومقدار تفاوت الخبرات الرقمية بين طبقات المجتمع.
إن نجاح المنتجات الرقمية يُقاس بوضوح التجربة ومدى رضا العميل، دون إغفال جانب عدد المشاهدات ومقدار المبيعات؛ بأن يعرف ما يدفعه، ويفهم ما يوافق عليه، ويجد ما يلبي احتياجه، وكلما تعمّقت معرفة الشركات بدوافع عملائها، ازدادت مسؤوليتها في توظيف هذه المعرفة الى الاحترام والشفافية؛ فالقيمة الحقيقية للتأثير تظهر حين يعود العميل مقتنعًا بما وجده، وواثقًا بمن تعامل معه، فالنقرة قد تحقق عملية بيع سريعة، ولكن الثقة تمنح العميل سببًا جوهريا للعودة والاستمرار.










































