اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ أب ٢٠٢٦
الهنوف بن حسان
(أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ)… بين هدهد سليمان ووأد الإنجازات الوطنية في مهدها!
في تاريخ الأمم ليست كل الجرائم تُرتكب بالسيف، فبعضها يُرتكب بالكلمة، وبعضها بالشك، وبعضها بقتل الفكرة قبل أن تُولد.. مشاريع وطنية تُدفن وهي لا تزال في يومها الأول.. وأفكار تُحاكم قبل أن تبدأ رحلتها، وابتكارات يُصدر عليها حكم الفشل قبل أن تنال فرصة التطور.
هذه ليست قراءة عاطفية، بل ظاهرة تتكرر كلما وُلد مشروع وطني كبير.. فبدلاً من منحه المساحة لينمو ويتطور، تتسابق بعض الأصوات إلى إعلان نهايته منذ لحظة تدشينه، وكأن النجاح لا يستحق فرصة، وكأن الإخفاق هو الحكم الجاهز لكل مبادرة محلية.
ولعل أعظم درس في التاريخ يختصر هذه الفكرة هو قصة هدهد سليمان.. فلم تكن رحلته مجرد غياب طائر عاد بخبر، بل كانت ثورة معرفية على احتكار المعلومة، ورسالة خالدة بأن المبادرة قد تأتي من أصغر الجند، وأن الحقيقة قد يحملها من لا يتوقعه أحد.. وقف الهدهد أمام نبي الله سليمان عليه السلام وقال بكل ثقة: «أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ»، ليؤسس مبدأً سيبقى صالحاً لكل زمان: قيمة الأمم ليست في حجم مؤسساتها فقط، بل في قدرتها على احتضان المبادرة، واحترام المعرفة، ومنح الأفكار فرصة لإثبات ذاتها.
واليوم، يعود اسم هدهد في المشهد التقني السعودي، لا بوصفه رمزاً تاريخياً فحسب، بل عنواناً لمشروع وطني يحمل أبعاداً سيادية عبر «خرائط هدهد» (Hudhud Maps). فالقضية ليست مجرد تطبيق، وليست منافسة مع تطبيقات عالمية مضى على تطويرها عشرات السنين، بل هي خطوة في بناء سيادة رقمية سعودية، يكون فيها القرار المكاني والبيانات الجغرافية جزءاً من الأمن الوطني، لا سلعةً محفوظة في خوادم خارج الحدود.
ينقسم المشهد بعد تدشين هدهد وإطلاقه رسمياً في السوق السعودي بين المنصفين الذين يرون أن بناء منظومة خرائط وطنية ليس ترفاً تقنياً، بل ضرورة استراتيجية.. فامتلاك البيانات المكانية داخل المملكة يعني تعزيز السيادة الرقمية، وتقليل الاعتماد على المنصات الأجنبية، وبناء قاعدة معلومات تخدم الأمن، والاقتصاد، واللوجستيات، والمدن الذكية، والذكاء الاصطناعي، والمركبات ذاتية القيادة. كما أن اعتماد المشروع على تقنيات حديثة مثل LiDAR والذكاء الاصطناعي، وملايين صور التجول الافتراضي، يعكس توجهاً لبناء قاعدة جغرافية تُطوَّر باستمرار وفق احتياجات المملكة وخصوصية مدنها وبنيتها التحتية.
وبين القسم الثاني كما لقبتهم (فريق وأد الإنجازات)، فإذا كانت الجاهلية قد عرفت وأد البنات، حتى ارتبط اسم قيس بن عاصم في الروايات بأول من اشتهر بهذه الممارسة.. حتى تاب وتبرأ من فعله أمام رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم، لتأتينا اليوم جاهلية بعض العقول وتُعيد المشهد بصورة مختلفة، لم يعد الوأد موجهاً للإنسان، بل أصبح موجهاً للإنجاز.
إذ يحاكمون المشروع في يوم تدشينه لوأده في المهد ويقارنونه مباشرة بمنصات عالمية استغرقت سنوات طويلة حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، يترصدون أي نقص طبيعي في النسخ الأولى، ويحولونه إلى حكم نهائي، متناسين أن جميع المشاريع التقنية الكبرى بدأت بإصدارات أولية، ثم تطورت عبر الاستخدام والتحديث المستمر لهذه اللحظة.
والأخطر من ذلك هو استمرار عقلية التبعية التقنية، تلك التي ترى أن وجود تطبيقات أجنبية يغني عن امتلاك بديل وطني، رغم أن الدول التي تقود العالم تقنياً تستثمر مليارات الدولارات في بناء منصاتها الخاصة، لأنها تدرك أن الخرائط لم تعد مجرد وسيلة للوصول إلى عنوان، بل أصبحت بنية تحتية سيادية تمس الأمن والاقتصاد وإدارة الحشود وحركة النقل وصناعة القرار.
واللافت أن القرآن الكريم يقدم لنا المنهج الصحيح في التعامل مع المبادرات الجديدة، فعندما أخبر الهدهد سليمان عليه السلام بما لديه، لم يكن الرد سخرية، ولا تشكيكاً، ولا إقصاءً، بل كان منهجاً قائماً على التثبت والاختبار فقال: «سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ»، إنه منهج يمنح الفكرة فرصة، ويُخضعها للتقييم، لا للإعدام.
وهذا هو الفارق بين الأمم التي تصنع المستقبل، والتي تكتفي باستهلاك ما يصنعه الآخرون بكل تبعيه فالمشاريع الوطنية لا تحتاج إلى تصفيق أعمى، كما أنها لا تستحق أحكاماً بالإعدام في يوم تدشينها، إنها تحتاج إلى النقد المسؤول، والدعم، والتطوير المستمر، لأن الابتكار لا يولد كاملاً، بل ينضج مع الزمن.
يحاول البعض استحداث وأد الإنجازات، غير أن الأمم الطامحة لا تسمح بدفن مشاريعها عند لحظة الولادة، بل تمنحها فرصة التحليق، وكما حلق هدهد سليمان حاملاً النبأ اليقين، فإن «خرائط هدهد» تمثل بداية رحلة وطنية نحو سيادة رقمية أوسع، ومساراً تُبنى فيه الثقة بالتطوير والعمل، لا بالأحكام المتعجلة، ولن أخفي شكري لمن ابتكر هدهد من الاسم وحتى التنفيذ، ومبارك لنا تدشينك وانطلاقك يا هدهد.










































