اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
نظموا مسيرة بالعاصمة في ذكرى سقوط بن علي تحت شعار 'Game over' رفضاً للإقصاء وأعلنوا قدرتهم على اكتساح الشارع
لا يحيل مصطلح 'جيل زد' إلى فئة عمرية بعينها بقدر ما يعني بيئة اجتماعية رقمية مشبعة بالخوارزميات، مفتوحة على العالم بكل تفاصيله، هو جيل منفرد ومعولم في آنٍ، متمكن من مختلف أدوات التواصل، لا يؤمن بالحدود، همّه الخلاص والانفلات من الواقع، ومن الضوابط النمطية التي وضعتها المؤسسات المعلبة التي يراها مكبلة لأحلامه وطموحاته.
هذا الجيل الذي يتفق غالب المتابعين على أنه يعود إلى تسعينات القرن الماضي، وصولاً إلى بداية الألفية ليس غريباً عن الواقع التونسي، إذ كان حضوره لافتاً في أحداث ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 من خلال إسهاماته في نقل ونشر أخبار المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن بمختلف المحافظات المنتفضة وقتها على غرار سيدي بوزيد والقصرين وصولاً إلى تونس العاصمة.
أدت هذه الفئة دوراً مهماً في مشاركة أحداث الثورة من صور وفيديوهات وتسجيلات، بينما تأخر الإعلام الكلاسيكي عن مواكبة تلك الأحداث بحكم السياق السياسي الذي يحكم قبضته على مؤسسات الإعلام وقتها، وساند ذلك الجيل مختلف الحساسيات السياسية والمدنية، وجعل من تلك اللحظة منعرجاً في التاريخ السياسي المعاصر في تونس.
اليوم يطل المفهوم مجدداً على المشهد السياسي في تونس، ونظمت مجموعة 'جيل زد' مسيرة بالعاصمة يوم الـ14 من يناير الجاري بمناسبة ذكرى سقوط نظام زين العابدين بن علي، تحت شعار 'Game over' (انتهت اللعبة)، وطالبوا خلالها برفض التهميش والإقصاء، معلنين قدرتهم على التحرك واكتساح الشارع، وهي شعارات تتقاطع مع تلك التي رُفعت قبل 15 سنة، مما يعني أن هذا الجيل لم يحقق أحلامه في الثورة، وها هو اليوم يعيد عرض مطالبه أمام مؤسسات الدولة ونخبها.
والواقع أن حركة 'جيل زد' هي نبض الثورة في تونس، وترفع اليوم شعار 'جيل زد الذاكرة الحية لثورة نسيتموها'، هي حركة ترى أنه تم تحييدها ولم تجن إلا الإقصاء والتهميش، بينما تقاسم السياسيون غنيمة السلطة التي وجدوها منهكة متهالكة فأتوا على ما فيها من دون أن يلتفتوا إلى الشباب الذي جاهد لإرباك نظام الحكم وإضعافه وصولاً إلى انهياره بمساندة شعبية ومدنية كبيرة.
وفي السياق لا يمكن التغافل عن دور عدد من الفاعلين من هذا الجيل على غرار لينا بن مهني، وزهير اليحياوي، وغيرهما من الذين أسهموا بالإسناد السيبراني في زعزعة نظام الحكم، بينما تمسك جيل المناضلين السياسيين بتلابيب السلطة وتقاسموا ثمارها على حساب هذا الجيل الحيوي، المنفتح على العالم والمتسلح بالمعرفة والتكنولوجيا، والذي وجد نفسه في نهاية المطاف على الهامش.
خروج هذه المجموعات اليوم في مسيرات ورفعها لشعارات ترفض الواقع وتطالب بوضع حد للتهميش، تعيد إلى الذاكرة صور انتفاضة يناير 2011، فهل لـ'جيل زد' طموحات سياسية في تونس؟ ولماذا يتحرّك اليوم ويرفع المطالب نفسها التي رفعها في 2011؟
في الواقع ترفض هذه المجموعات التواصل المباشر مع الإعلام، ومن بين الشعارات المنشورة على مختلف صفحاتهم في الـ'سوشيال ميديا'، 'نحن لا نتحدث للإعلام. ولا نعطي تصريحات'. حاولنا التواصل معهم عبر صفحة على 'فيسبوك'، لكنهم رفضوا التصريح المباشر وطلبوا إرسال الأسئلة.
وفي إجابتهم عن أسئلتنا أكدت المجموعة أن '(جيل زد) لا يرى السياسة فقط كـمناصب أو انتخابات، بل كـعلاقة قوّة داخل المجتمع، وفي المرحلة الحالية لا نسعى لتقلد مناصب، لأن المشكل في تونس ليس فقط من يحكم، بل كيف تُصنع القرارات، ولصالح من'.
وأضافت المجموعة أن 'تجارب السنوات الماضية أثبتت أن الدخول المبكر إلى المؤسسات من دون تغيير موازين القوة أو وحود قاعدة اجتماعية واعية، يؤدي غالباً إلى الاحتواء أو الاستهلاك السياسي'. وهي ترى أن '(جيل زد) يشتغل اليوم على كسر الخوف، وبناء وعي جمعي، وفرض مطالب اجتماعية واضحة، وحين تتغير قواعد اللعبة، يمكن الحديث عن أشكال أخرى من الفعل السياسي'.
وتؤكد المجموعة في إجابتها أن 'النخب السياسية والمنظمات في تونس غالبها اندمج في المنظومة، وتعايش مع الفشل، وباتت تحركه الحسابات والمصالح الضيقة، ولم يعد يمثل تطلعات جيل كامل، لذلك قرر (جيل زد) التعويل على نفسه والتخلي عن الوسطاء'.
وفي توصيفها للواقع تؤكد المجموعة أن تونس أمام أزمة مركبة: سياسياً، مع غياب الرؤية الشاملة والإصلاحات البنيوية الحقيقية. واقتصادياً واجتماعياً، بتنامي منسوب البطالة، وهيمنة الاقتصاد الهش، علاوة على تآكل الثقة في الدولة، والإحساس العام بالتهميش، والتطبيع مع الفشل'.
وتخلص المجموعة إلى أن 'المشكل اليوم ليس في التشخيص، بل في غياب مشروع جامع يربط السياسة بالاقتصاد بالعدالة الاجتماعية. مشيرة إلى أن مسيرة الـ14 من يناير 2026 كسرت حال الركود واستعادت الشارع وفتحت نقاشاً مجتمعياً جديداً'.
وذكرت المجموعة بأبرز مطالبها وهي 'الحق في صحة عمومية، وتعليم يواكب عصر المعرفة، ونقل عمومي يحترم الإنسان، وعدالة تحمي كرامة الشباب'.
نشأ هذا الجيل في بيئة مفتوحة ذابت فيها الحدود، وتحكمها الخوارزميات. ويرى أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية حسان قصّار، في تصريح لـ'اندبندنت عربية' أن 'هذا الجيل ترعرع في واقع عالمي ثقافي يتسم بالعولمة والحداثة، وهو مستخدم جيد وفعال للتكنولوجيا الحديثة، ويفكر بشكل فردي من دون الالتفات إلى البنية المجتمعية من أسرة أو قبيلة أو جهة، أو المؤسساتية كالمدرسة أو المؤسسات الرسمية، لذلك فهو جيل منفلت'.
ولأن النزعة الفردانية هي من ميزات الحداثة، فإن هذا الجيل 'الحداثي' لا يؤمن بالأحزاب وبالعمل المشترك، وشعاره 'الفكرة مشتركة والقرار فردي'، لذلك تغيب عن ذهنه فكرة الأحزاب لأن كل فرد يشكل حزباً بذاته، ويرفض هذا الجيل السلطة بمختلف تمظهراتها كسلطة الأب، والدولة، والقانون، والمدرسة، وهو جيل يرفض القوالب الجاهزة لأنه يعيد النظر في كل الثوابت، بينما لا ثوابت له، وفق قصّار.
ويضيف أستاذ علم الاجتماع، أن 'سلوك هذا الجيل فيه كثير من العنف والرفض، مما يجعل التعامل معه صعباً، وتأطيره شبه مستحيل، لذلك لا يمكن التنبؤ بثورته وبنتائجها'، لافتاً إلى أنه يضم مجموعات متناقضة ثقافياً وسياسياً وأيديولوجياً، إلا أن ما يميز تحركاتها أنها محدودة في الزمان والمكان'.
وعلى خلاف أشكال التنظيم التي عرفتها الإنسانية كالأديان والأحزاب، لا يعترف 'جيل زد' بالقادة، فكل فرد في المجموعة هو قائد، بينما الفكرة مشترك مشاع بين المجموعة. وفي الحال التونسية، لا يهتم 'جيل زد' كثيراً بالجانب السياسي، بل شغله الشاغل هو الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وتقتصر مطالبه من خلال مختلف الشعارات المرفوعة على رفض التهميش والإقصاء والحق في الصحة العمومية وفي تعليم عمومي راقٍ، ونقل عمومي لائق، وفي ثورة تكنولوجية واقتصادية، معتبرين أنهم نجحوا في كسر جدار الصمت بالنزول إلى الشارع، وبتجميع عدد من الشباب حول أفكارهم ورؤاهم لتونس أفضل مستقبلاً.
يرى أستاذ علم الاجتماع عبدالستار السحباني أن 'هذه المجموعات تتميز بالعمل الشبَكي ولها قدرة كبيرة على التواصل خارج إطار المنظومات العادية'، مشيراً إلى أن 'البعد السياسي غائب، وهي تركز فقط على الجانب الاقتصادي والاجتماعي كالتهميش والفقر والهشاشة'.
ويدعو إلى ضرورة 'الإنصات لهذه الأصوات، والعمل على تقليص الفوارق الاجتماعية والنهوض بالتعليم وتغيير السياسات العمومية الاقتصادية والاجتماعية للدولة، واحتواء هذه التعبيرات الاحتجاجية ذات البعد الكوني نتيجة العولمة'.
ويعتبر السحباني أن 'نمط عيش (جيل زد) مختلف عن بقية الأجيال الملتزمة بثلاثية التعليم كمصعد اجتماعي فالعمل ثم الزواج، وهو دائم البحث عن أدوات لرسم هويته من خلال الحلول الفردية'.
والواقع أن النخب السياسية في تونس بعد 2011 لم تلتقط رسالة هذا الجيل، مما خلق شرخاً بينه والمؤسسات الرسمية والمدنية والحزبية، بينما تواكب مختلف المجتمعات التغيرات الحاصلة الناتجة عن ثورة الانترنت والتكنولوجيا الحديثة في بناء تصورات مستقبلية لبلدانهم، لذلك يبحث هذا الجيل في تونس اليوم عن الخلاص الفردي من كل تلك المنظومات.
تحول 'جيل زد' إلى ظاهرة في مختلف مجتمعات العالم التي تعيش حيرة ثقافية وفلسفية إزاء أشكال التعاطي معه، ومن بينها المجتمع التونسي. وهو بصدد التحرك وفرض وجوده، وما دام العالم الافتراضي الرقمي هو مجال نشاطه الشبكي المعقد، وصانع نظمه وقيمه الجديدة، فلا مناص من فهمه وإشراكه في السياسات العمومية للدولة على نحو يضمن العيش المشترك من دون إقصاء أو تهميش، وهي من أبرز مطالبه اليوم.

























