اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣٠ أذار ٢٠٢٦
تعرضت لـ900 اعتداء في عام واحد ومتخصصون: الحوادث تعكس شرخاً عميقاً في علاقة المواطن بالملك العام
تُعتبر الاعتداءات على وسائل النقل العمومية في تونس ظاهرة لافتة تعكس مفارقة عجيبة، فبينما يعاني التونسيون تردّي خدمات النقل العمومي بسبب تقادم الأسطول وقلة تواتر سفرات الحافلات والمترو، تكشف إحصاءات شركة نقل تونس عن تنامي الاعتداءات على وسائل النقل من تهشيم لبلور الحافلات وعربات المترو لتبلغ أكثر من 900 اعتداء في السنة.
وكشف المتصرف المفوض بالشركة الوطنية للنقل بين المدن شمس الدين التومي، في تصريحات صحافية عن تعرض 150 حافلة نقل عمومي لعمليات تخريب خلال شهر رمضان المنقضي، بمعدل خمسة اعتداءات يومياً، توزعت بين تهشيم الزجاج ورشق بالحجارة، مما يضع سلامة الركاب والمرفق العام في خطر.
وخلال يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين، سُجل 192 اعتداء على الحافلات وعربات المترو، تسببت في خسائر تناهز 3 ملايين دينار (نحو مليون دولار) أي ما يعادل توفير ست حافلات جديدة.
من جهته، صرح الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للحرس الوطني العميد حسام الدين الجبابلي، في الـ24 من مارس (آذار) الجاري، بأنه تم إيقاف ثمانية أشخاص مشتبه فيهم في حرق عربة قطار بالقلعة الصغرى في محافظة سوسة، بعد الاحتجاج على وفاة شاب تعرض لحادثة دهس بالقطار، وإحالتهم إلى القضاء.
والظاهرة معقدة وتكشف عن تداخل عوامل اجتماعية واقتصادية ونفسية لفئة من التونسيين يرون في وسائل النقل العمومية التابعة للدولة فضاء للتعبير عن رفضهم واقعهم الاجتماعي الهش.
وعلى رغم الاعتداءات المتكررة، تواصل شركات النقل العمومي في تونس تأمين السفرات بالإمكانات المتوفرة، وتعمل على ضمان تنقل المواطنين.
وبحسب متخصصين في علم الاجتماع، فإن هذه السلوكيات تعكس شرخاً عميقاً في علاقة التونسي بالملك العام، وقصوراً في مستوى الوعي والمواطنة، ونظرة لا مبالاة إلى أملاك الدولة، بينما لم تنجح الدولة الوطنية في بلورة علاقة أفقية منسجمة تجعل التونسي متصالحاً مع الملك العمومي، ومتمتعاً بخدمات عمومية راقية ومرفهة.
ويرى المتخصص في علم الاجتماع منير حسن أن 'فئات واسعة من مجتمع الهامش في تونس، بخاصة في الأحياء الشعبية، تعاني أعواماً من تردي الخدمات العمومية من نقل وصحة وتعليم، وتولّد مظاهر الإقصاء الاجتماعي والتهميش ردود فعل عنيفة حول كل ما يرمز لمؤسسات الدولة، بينما تبحث الفئات الشبابية والقصّر عن هويات جديدة تتشكل في الفضاء الجغرافي أو في الانتماء إلى جمعيات رياضية، مما يعكس شبه قطيعة بين المجتمع والهياكل الرسمية للدولة'.
ويضيف أن 'أعمال التخريب تطاول أيضاً المدارس والمستشفيات من خلال تحطيم الأجهزة الطبية، مما يعكس رفضاً لكل ما يمثل السلطة'، موضحاً 'تعد الأحياء المفقرة والشعبية حاضنة لشريحة من القصّر والمراهقين والشباب الذين يعتدون على وسائل النقل العمومي، وهو شكل من أشكال 'الانتقام الرمزي' من السلطة، وتعبير عن رفضهم واقع الإقصاء والتهميش الذي يعيشونه، وفي غياب مؤسسات التربية على المواطنة ودور الثقافة الناشطة والتنشئة الاجتماعية البناءة، يشكل هؤلاء ثقافتهم الخاصة القائمة على الرفض وممارسة العنف كعنوان للجرأة والعنفوان، وهي سلوكيات منفلتة من آليات الضبط الاجتماعي والأسري والقانوني'.
ويذكر أن القانون التونسي يجرم الاعتداءات على وسائل النقل العمومي، إذ ينص الفصل 304 من المجلة الجزائية على عقوبات قد تصل إلى خمسة أعوام سجناً، وخطايا مالية قد تبلغ 3 آلاف دينار (1000 دولار) علاوة على تعويض الأضرار الناجمة عن توقف الخدمة جراء الاعتداء.
وعلى رغم الإجراءات الأمنية الزجرية، والحملات التوعوية التي تقوم بها شركات النقل العمومي في تونس، وتركيزها لمنظومات مراقبة عبر الكاميرات في الحافلات والقطارات وعربات المترو، فإن الظاهرة تشهد تنامياً مطّرداً مما يدعو إلى البحث عن حلول جذرية.
ويعتبر المتخصص في علم الاجتماع أن 'المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي بل تزيد الأمور تعقيداً وتولّد ردّ فعل أكثر عنفاً'، محذّراً من أن يتحول رد الفعل إلى تيارات عنيفة أو حتى إرهابية'. وداعياً إلى 'تغيير طبيعة المنوال التنموي الإقصائي، واعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية تدمج المجتمع في الدورة الاقتصادية والخدمات الاجتماعية من خلال تطوير قطاع للنقل والتعليم والصحة وغيرها لجسر الهوّة بين التونسي والملك العام'.
ويشدد حسن على أن 'الظاهرة تحتاج إلى إرادة سياسية قوية ومقاربة مجتمعية تعامل هؤلاء القصّر والأطفال كضحايا لمنظومة اقتصادية واجتماعية أنتجت قاعدة واسعة من المهمّشين والضحايا الذين يجب إعادة تأهيلهم وإدماجهم في الدورة الاقتصادية والاجتماعية'.
ويعتبر تحويل المدرسة إلى فضاء للأنشطة الرياضية والفنية والترفيهية، وإعادة إدماج المنقطعين عن الدراسة، من المداخل الأساسية لتقليص حدة الظاهرة، علاوة على تعزيز دور الأسرة والمجتمع المدني في الأحياء المهمشة من خلال الوقاية الاجتماعية والتربوية والاقتصادية.
ويستدعي أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية في الجامعة التونسية الأمين البوعزيزي، تاريخ العلاقة بين التونسي والدولة، التي تحيل في العقل الباطني إلى علاقة عمودية متشنجة تقوم على عنف السلطة في عهد البايات عبر فرض جباية مجحفة على الأهالي من أجل رفاه العائلة الحاكمة.
ويرى البوعزيزي أنه 'لم يتم التأسيس لمقومات دولة وطنية تعاقدية مع المواطن تقوم على تبادل المنافع وتكافؤ الفرص بين كل التونسيين من دون إقصاء أو تهميش'.
ويفسر البوعزيزي عنف شريحة من التونسيين من القصّر والشباب تجاه حافلات النقل العمومي بـ'التعبيرة الرمزية على حال رفض تاريخية لسياسات اقتصادية واجتماعية لم يجنوا منها سوى الفقر والتهميش، لذلك يتهرب بعض التونسيين من دفع الضرائب، ويخربون الملك العمومي والحافلات والقطارات، مما يعكس بشاعة علاقتهم بالدولة'، داعياً إلى تأسيس 'نموذج جديد من الدولة يقوم على العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين التونسيين وتوزيع عادل للثروات، حتى يشعر دافعو الضرائب بالرّفاه لا بالنكران في ظل خدمات عمومية من دون المأمول'.
وعلى رغم هذا الواقع القاتم تعمل الدولة على تحسين قطاع النقل، وعقدت وزارة النقل التونسية صفقة دولية لاقتناء 461 حافلة جديدة هذه السنة لتعزيز أسطول النقل وطنياً وجهوياً تسلمت منها ثلاث دفعات، لتحسين جودة الخدمات المسداة لعموم التونسيين، بينما يجري اقتناء 15 عربة مترو وصيانة نحو 80 عربة أخرى، ودعت الوزارة التونسيين إلى المحافظة على هذه الحافلات باعتبارها مكسباً وطنياً.

























