اخبار تونس
موقع كل يوم -أنباء تونس
نشر بتاريخ: ٤ أذار ٢٠٢٦
بقلم فاهم بوكدوس
اولى التأثيرات المباشرة للعدوان الصهيو-امريكي على ايران على الاقتصاد التونسي: الميزانية التونسية في مهب الريح
جاء خبر ارتفاع سعر البترول في الأسواق العالمية ليعيد إلى الواجهة مسألة السعر المرجعي المعتمد في قانون المالية، ويؤكد أن هذا الرقم ليس تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل ركيزة أساسية تقوم عليها توازنات بمليارات الدنانير.
فحين تمّ ضبط سعر البرميل في حدود 62 دولارًا ضمن فرضيات ميزانية سنة 2026، بُنيت على ذلك تقديرات نفقات الدعم والطاقة ومستوى العجز المتوقع. غير أنّ صعود الأسعار إلى حدود 79 دولارًا للبرميل مع العدوان الصهيوامريكي على ايران خلق فجوة بـ17 دولارًا تفصل بين التقدير النظري والواقع الفعلي، وهي فجوة ثقيلة الوطأة على اقتصاد يستورد جانبًا مهمًا من حاجياته الطاقية مثل تونس، بما ينذر بضغط إضافي على المالية العمومية ويستدعي مراجعة الحسابات.
*ولتوضيح حجم الأثر بالأرقام، فإن تونس تورد سنويًا ما يعادل تقريبًا 45 إلى 50 مليون برميل بين نفط ومشتقات. وإذا احتسبنا فارق 17 دولارًا على هذا الحجم، فإن الكلفة الإضافية قد تبلغ حوالي 850 مليون دولار في السنة، أي ما يقارب 2.6 إلى 2.8 مليار دينار تونسي. هذا الرقم ليس تفصيلًا محدودًا، بل يساوي نسبة معتبرة من ميزانية الدعم، ويعادل تقريبًا ميزانية وزارة كاملة، ويمثل ضغطًا إضافيًا قد يرفع عجز الميزانية بعدة نقاط من الناتج الداخلي الخام.
*وإذا اعتبرنا أن كل زيادة بدولار واحد فوق السعر المرجعي تكلّف الدولة في حدود 150 إلى 180 مليون دينار إضافية سنويًا، فإن الفارق بين السعر المعتمد والسعر الفعلي يضع المالية العمومية أمام عبء قد يتجاوز المليارين ونصف مليار دينار. وفي ظل محدودية الموارد الجبائية وارتفاع كلفة الاقتراض، فإن هذا التطور يفرض إما اللجوء إلى تمويل إضافي وميزانية تكميلية، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، أو تعديل أسعار المحروقات داخليًا بما ينعكس على القدرة الشرائية والتضخم.
*من الناحية المؤسسية، فإن الحكومة هي التي تضبط الفرضيات الأساسية عند إعداد مشروع قانون المالية، اعتمادًا على تقديرات وتوقعات الأسواق الدولية. غير أنّ مجلس نواب الشعب لا يُعفى من المسؤولية السياسية والرقابية، إذ يفترض أن يناقش هذه الفرضيات بعمق لا أن يكتفي بالمصادقة الشكلية. فالسعر المرجعي للبترول ليس رقمًا محايدًا، بل هو تقدير محفوف بالمخاطر، خاصة في سياق دولي متوتر. وكان من الممكن طرح أسئلة جوهرية أثناء النقاش: ماذا لو ارتفع السعر إلى 70 أو 75 أو حتى اكثر من 100 دولارًا؟ هل توجد احتياطات مالية لمجابهة هذا السيناريو؟ هل تم إدراج هامش أمان أو اعتماد فرضية متحفظة؟
*لعلّ ما حدث يمثل درسًا إضافيًا للنواب بضرورة التعاطي بجدية أكبر مع الفرضيات الاقتصادية، وخاصة سعر النفط، لأنه عنصر قد يقلب التوازنات رأسًا على عقب. فإدراج احتياطي للمخاطر بقيمة 500 إلى 800 مليون دينار، أو اعتماد سعر مرجعي أكثر تحفظًا، كان يمكن أن يخفف من حدة الصدمة.
*غير أنّ الإشكال يتجاوز البعد الظرفي ليعكس غياب رؤية استراتيجية واضحة لمعالجة العجز الطاقي الهيكلي في تونس حيث شهد العجز الطاقي في تونس تفاقماً ملحوظاً بنهاية عام 2025، حيث تجاوزت قيمته 11.1 مليار دينار، وهو ما يمثل حوالي 51.1% من إجمالي العجز التجاري للبلاد.
فالتعامل مع المسألة في كل مرة بمنطق ردّ الفعل أمام تقلبات الأسواق العالمية يكشف محدودية التخطيط بعيد المدى، ويؤكد أن سياسة الطاقة ما تزال أسيرة الحلول الترقيعية. فمنذ سنوات، يتعمق العجز الطاقي نتيجة تراجع الإنتاج الوطني من النفط والغاز مقابل ارتفاع الطلب الداخلي، دون أن تقابله خطة انتقال طاقي متكاملة بأهداف كمية مضبوطة، ورزنامة تنفيذ واضحة، وآليات تمويل مستدامة.
*إن غياب استراتيجية وطنية ملزمة لتقليص التبعية الطاقية — تقوم على تنويع المصادر، وتسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتحسين النجاعة الطاقية في الصناعة والنقل والسكن — يجعل المالية العمومية رهينة تقلبات خارجية لا يمكن التحكم فيها. كما أن ضعف التنسيق بين السياسات الطاقية والمالية والصناعية يحول دون تحويل أزمة الأسعار إلى فرصة لإعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية نحو نموذج أقل استهلاكًا للطاقة وأكثر خلقًا للقيمة. لذلك فإن معالجة فجوة الـ17 دولارًا لا ينبغي أن تكون مجرد تعديل حسابي في قانون المالية، بل مدخلًا لإطلاق إصلاح استراتيجي شامل يعيد تعريف موقع الطاقة في مشروع التنمية .
تقتضي معالجة تداعيات ارتفاع أسعار النفط، من منظور اجتماعي، الانطلاق من مبدأ أساسي مفاده أن التوازنات المالية لا يمكن أن تتحقق على حساب الفئات الهشة أو عبر تحميل المجتمع كلفة صدمات خارجية لا يد له فيها. لذلك فإن أولى المعالجات تتمثل في إعادة توجيه منظومة الدعم لا في تفكيكها. فبدل التقليص الآلي في دعم المحروقات أو الترفيع السريع في الأسعار، يمكن اعتماد دعم تفاضلي يحمي النقل العمومي، والفلاحين الصغار، والقطاعات الإنتاجية ذات القيمة الاجتماعية العالية. كما يمكن توجيه جزء من الدعم مباشرة إلى الأسر محدودة الدخل عبر تحويلات نقدية ذكية مرتبطة بمستوى الاستهلاك، بما يحافظ على القدرة الشرائية ويمنع انتقال صدمة الطاقة إلى ارتفاع شامل في الأسعار.
المعالجة الثانية ذات طابع هيكلي وتقوم على السيادة الطاقية ذات البعد الاجتماعي، أي اعتبار الطاقة خدمة عمومية لا مجرد سلعة خاضعة لتقلبات السوق ولا تكون فيها الدولة رهينة الاستيراد وتقلبات الأسعار العالمية.
أما المعالجة الثالثة فتتعلق بإرساء عدالة جبائية لتمويل كلفة الصدمات بدل نقلها إلى المستهلكين. ففي فترات الأزمات الطاقية، يمكن للدولة تعبئة موارد إضافية عبر مساهمات ظرفية على القطاعات التي تحقق أرباحًا استثنائية أو عبر مقاومة التهرب الضريبي الذي يحرم المالية العمومية من موارد هامة. كما يمكن توجيه جزء من التمويل العمومي نحو تحسين النقل الجماعي والنجاعة الطاقية في التجمعات الشعبية والمؤسسات العمومية، بما يقلص الاستهلاك الطاقي للأسر على المدى المتوسط.
الشعبية والمؤسسات العمومية.
و بهذه المقاربة، تصبح معالجة أزمة النفط فرصة لتعزيز التضامن الاجتماعي وإصلاح الاختلالات البنيوية، لا مجرد سياسة تقشفية تزيد الضغط على الفئات الأضعف.
في المحصلة، فإن الفارق بين 62 و79 دولارًا ليس مجرد تغير في رقم بورصوي، بل هو تحول قد يكلّف الدولة ما يقارب ثلاثة مليارات دينار. وهذا كافٍ ليجعل مستقبلا من مناقشة السعر المرجعي للنفط داخل البرلمان نقاشًا استراتيجيًا معمقًا، لأن دقة الفرضيات اليوم هي التي تحدد استقرار المالية العمومية غدًا.
*نقلا عن مقال تحليلي متداول للاعلامي و المحلل السياسي
*فاهم بوكدوس

























