اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ نيسان ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
هناك مصالح عامة تقتضي طبيعتها بذْل الانتفاع بها لعامة أفراد المجتمع حسب المصلحة، وذلك كالطرق والأماكن العامة والمساجد، لكن لا يعني عمومها وإطلاق الانتفاع بها أن يُتعامل معها بعشوائية وعلى مزاج كل مَن ارتادها، بل هناك قواعد شرعية وأنظمة متقررة تنظم الاستفادة منها، وتلزم مرتاديها أن يتصرفوا بما يصب في مصلحة الجميع..
من فضل الله تعالى على الناس أن هيأ لهم في هذه الأرض ما يرتفقون به، من جميع أصناف المخلوقات، ولكن هذه التهيئة مضبوطة بضوابط كثيرة، تضمن لمن التزموا بها أن يقف كل منهم عند حدوده المشروعة، على مبدأ: (لا تظلمون ولا تُظلمون)، فشرعت أسباب للملكية الخاصة المعصومة بنصوص الشرع، والمحمية بموجب النظام، بحيث لا يحق لفرد أن ينتهك أملاك غيره، كما شرعت وقننت الأملاك العامة، وجعلت حمايتها والتصرف فيها مقصورةً على ولاة الأمر، فلا يسوغ منها إلا ما بذلوه لمستحقه، وهناك مصالح عامة تقتضي طبيعتها بذْل الانتفاع بها لعامة أفراد المجتمع حسب المصلحة، وذلك كالطرق والأماكن العامة والمساجد، لكن لا يعني عمومها وإطلاق الانتفاع بها أن يُتعامل معها بعشوائية وعلى مزاج كل مَن ارتادها، بل هناك قواعد شرعية وأنظمة متقررة تنظم الاستفادة منها، وتلزم مرتاديها أن يتصرفوا بما يصب في مصلحة الجميع، وبحمد الله تعالى جاءت أنظمة بلادنا المباركة المملكة كفيلةً بما تجتلب به المصالح، وتندفع به المفاسد، وتتحقق به الآداب المطلوبة في الأماكن العامة، فمن اللائق بالجميع مراعاتها واحترامها، ولي مع آداب الأماكن العامة وقفات:
الأولى: للطريق حق شرعي كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس على الطرقات»، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: «فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقها»، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر»، متفق عليه، وهذا الحق مطلوب في كل زمان ومكان، وفي قوله عليه السلام: (وكف الأذى) تعميم يشمل كل ما يتأذى منه سالك الطريق من دقيق وجليل، ويدخل فيه -من باب الأولى- جميع المخالفات المرورية، لأن الإخلال بقواعد المرور يفضي إلى وقوع الخسائر في النفوس والممتلكات العامة والخاصة، والخطوة الأولى في احترام حقوق الطريق التقيد بأنظمة المرور؛ فإنها -بإذن الله- تحول دون الإضرار بالنفس وبالغير، ثم تأتي بعد ذلك حقوق أخرى واردة في هذا الحديث أو مفهومة منه، منها غض البصر ورد السلام، ويستفاد منها أهمية معاملة المارة بالأخلاق الفاضلة، فلا يقصر عليهم في المعاملة الحسنة كرد السلام والتلقي ببشاشة الوجه، ولا ينتهك شيء من حقوقهم، فلا يتطفل عليهم وعلى خصوصياتهم، وهذا أدب عظيم من تمسك به استبرأ لدينه وعرضه، ومن أخل به كان عرضةً لتحمل تبعات لا يسهل التحلل منها؛ لأنه لا يعرف المارة فضلاً عن أن يستسمحهم، وأخطر التبعات ما لا يتأتى التحلل من مستحقه.
الثانية: المساجد أليق الأماكن بتطبيق الآداب والحقوق فيها؛ لأنها بيوت الله، وهي معمورة بأوليائه من الإنس والملائكة، فالإخلال بآدابها فيه استهانة بها وبعامريها، وقد تضافرت النصوص الشرعية على الأمر بمراعاة حقوقها، ومن الإخلال بآداب المساجد ما يقع فيه بعض الناس من حجز مكان في المسجد -لا سيما يوم الجمعة- يضع فيه سجادةً أو نحوها؛ ليتحاشاه غيره حتى يرجع إليه بعد حين، وفي هذا تعد على حقوق المصلين، وفاعله متشبع بما لم يعط؛ فإن الصف الأول والقرب من الإمام إنما يستحقان بالمبادرة إلى الاستجابة للنداء، وقطع سائر العلائق التي تؤخر عنه، فمن أراده فليحصله بهذه الطريقة الصحيحة، ومن تحايل عليه بالحجز فقد حرص على المظاهر فقط، والله لا يخفى عليه باطن الأمر، وهو القائل: (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين)، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنةً، ثم كالذي يهدي بقرةً، ثم كبشًا، ثم دجاجةً، ثم بيضةً، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم، ويستمعون الذكر»، متفق عليه.
الثالثة: الحرمان الشريفان أفضل المساجد والبقاع، ولهما حرمة خاصة وحرم محمي، وشيوع الأمن والطمأنينة فيهما مطلب شرعي، وقد دعا لهما بذلك الخليلان أبو الأنبياء إبراهيم وسيدهم نبينا محمد صلى الله عليهما وسلم، فعن عبدالله بن زيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة»، متفق عليه، ويجتمع في الحرمين الشريفين في المواسم أعداد غفيرة -بارك الله فيهم-، وقد سخرت الدولة -أيدها الله- إمكانات استثنائيةً لتأمين تلك الحشود، وتيسير أداء العبادات لهم في أجواء مريحة، وبصورة حضارية تلائم جلالة المكان والزمان والشعائر، ووضعت لذلك أنظمةً وقوانين تضمن الانضباط والسلامة، فالالتزام بتلك القوانين من صميم مراعاة الآداب المطلوبة في هذه البقاع الطاهرة، والإخلال بتلك القوانين إخلال بحرمة المكان وبالآداب اللائقة به.










































