اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ حزيران ٢٠٢٦
د. مشاري النعيم
حين نتأمل سيرة غاودي، ندرك أن المسألة ليست جينات فقط، ولا ظروفًا فقط، بل هي تلك القدرة النادرة على تحويل الحساسية الفردية إلى مشروع حضاري.. كان غاودي يرى أن المدينة ليست مجرد مبانٍ، بل كائن حي يتنفس، وأن العمارة ليست صناعة شكل، بل صناعة معنى.. ولذلك جاءت أعماله وكأنها امتداد طبيعي للتضاريس، وكأنها محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والبيئة عبر لغة بصرية لا تشبه أحدًا..
صادف يوم 10 يونيو مرور مئة عام على وفاة المعماري الكتالوني 'غاودي' وهو ابن برشلونة وصانع تاريخها في القرن العشرين. كانت فكرة الزملاء أن ينظموا لقاءً حوارياً حول هذا المعماري الذي كسر أعراف عصره وحاول أن يصنع توجهاً خاصاً به لا يزال يحظى باهتمام الكثير من المهتمين بالفن والعمارة، لكن كانت ظروفي تمنع تواجدي في اليوم المحدد فقرر الزملاء تأجيل اللقاء يوماً آخر أي في يوم افتتاح كأس العالم.
المفارقة أنني صرت أفكر خلال رحلتي من الرياض إلى الخبر في هذا التوافق بين حدثين ربما يرى البعض أنه لا يوجد علاقة بينهما، بينما كنت أرى أن هناك خطاً رفيعاً يربطهما، وهو كيف يصنع النجوم مكاناً لأنفسهم ولماذا يتميز البعض ويخفق الآخر رغم أنهما يبذلان نفس الجهد وربما يملكان نفس المؤهلات؟
كنت دائماً أرى أن هناك أحداثاً تعتبر فرصاً سانحة للموهوبين للبروز، ودون هذه الفرص ربما يصعب التعرف على قدراتهم وأسلوبهم المختلف في التفكير والعمل. كأس العالم فرصة للمجتهدين الذين يشعرون بالمسؤولية ويريدون تغيير واقعهم، لكن دون شك الموهبة والفريق المساند لهما دور أساسي، وهذا ما يجعل كذلك بعض الموهوبين مثل 'كريستيانو رونالدو' لم يحقق مع فريقه كأس العالم رغم أنه أفضل لاعب في العالم.
كانت هذه هواجس الطريق الذي امتد لمدة أربع ساعات كنت أفكر فيها بشكل أكبر في الأسباب التي جعلت معمارياً مثل 'غاودي' يبرز بشكل حاد في فترة كانت أوروبا تخوض تنافساً حاداً بين العمارة التاريخية الجديدة وبين تصاعد العمارة التقنية التي تعتمد على الحديد والزجاج والخرسانة لاحقاً؟ لماذا لم يحاول أن ينخرط ضمن المسار الفكري والمهني المهيمن وأصرّ على أن يصنع عمارته الخاصة؟
كنت أتصور أن 'غاودي' تأثر ببيكاسو وكلاهما من إسبانيا، لكن وجدت أن المعماري الكتالوني ولد في مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر بينما 'بيكاسو' في عام 1881م، وتقاطعا في الحياة لمدة 45 عاماً حتى وفاة 'غاودي' عام 1926م، لكن كلاهما كان متمرداً على التوجه الفني البصري والتقني السائد، وكلاهما أحدثا تحولاً أساسياً في طرق التفكير والعمل في الفن والعمارة. صرت أسأل نفسي: هل الظروف تخلق النجوم أم أن هناك إرادة كامنة ورؤية بعيدة يملكها بعض الأشخاص تجعلهم يتجاوزون كل ما يحيط بهم ويخلقون حالة ثقافية جديدة؟
في اعتقادي أن بعض البشر قُدِّر لهم أن يكونوا هم صانعي الثقافة الإنسانية، ربما يكون هذا ناتجاً عن طفرة جينية لا تحدث إلا نادراً وتكون الظروف مهيأة لهذه الطفرة أن تُحدث التغيير.
لكن حين نتأمل سيرة غاودي، ندرك أن المسألة ليست جينات فقط، ولا ظروفاً فقط، بل هي تلك القدرة النادرة على تحويل الحساسية الفردية إلى مشروع حضاري. كان غاودي يرى أن المدينة ليست مجرد مبانٍ، بل كائن حي يتنفس، وأن العمارة ليست صناعة شكل، بل صناعة معنى. ولذلك جاءت أعماله وكأنها امتداد طبيعي للتضاريس، وكأنها محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والبيئة عبر لغة بصرية لا تشبه أحداً.
وفي المقابل، حين ننظر إلى كأس العالم، نرى المشهد ذاته بطريقة مختلفة: لاعبون يملكون الموهبة نفسها، والفرص نفسها، لكن القليل منهم فقط يستطيع أن يحوّل اللحظة العابرة إلى أثر خالد. النجومية هنا ليست نتيجة المهارة وحدها، بل نتيجة القدرة على قراءة اللحظة، وتحويل الضغط إلى إبداع، وتحويل التحدي إلى فرصة.
وهذا ما يجمع غاودي برونالدو، وبيكاسو بمارادونا، وكل من استطاع أن يترك أثراً يتجاوز حدود مهنته. إنهم أشخاص يملكون تلك القدرة الغامضة على تحويل التجربة الشخصية إلى ذاكرة جماعية، وعلى تحويل العمل الفردي إلى خطاب ثقافي.
ولعل السؤال الأعمق الذي ظل يرافقني طوال الطريق هو: هل نحن نصنع اللحظة أم أن اللحظة هي التي تصنعنا؟ يبدو أن الحقيقة تقع في المنتصف؛ فهناك لحظات تاريخية لا تتكرر، لكنها لا تمنح نفسها إلا لمن يملك الاستعداد الداخلي لالتقاطها. غاودي لم يكن ابناً للصدفة، بل ابناً لوعي مختلف. وعندما تتوفر الإرادة والرؤية واللحظة، يتشكل ما نسميه 'التحول الثقافي'. ولهذا، بعد مئة عام على رحيله، لا يزال غاودي حاضراً، ليس لأنه بنى مبانيَ جميلة، بل لأنه بنى طريقة جديدة لرؤية العالم.
واليوم، ونحن نعيش في السعودية واحدة من أعمق التحولات الثقافية في تاريخها الحديث، يبدو استحضار غاودي أكثر من مجرد قراءة في سيرة معمارية؛ إنه تذكير أن التحول الحقيقي يبدأ حين تتصالح المدينة مع خيالها. فالمشاريع الكبرى التي نشهدها، من العلا إلى الدرعية ومن جدة التاريخية إلى مشاريع البحر الأحمر، تعكس رغبة في صياغة لغة عمرانية جديدة لا تكرر الماضي ولا تنسخه، بل تستلهمه لتبني مستقبلاً مختلفاً. وفي هذا السياق، يصبح غاودي نموذجاً ملهماً: فالمجتمعات التي تملك الشجاعة لتجريب أشكال جديدة من الجمال، هي وحدها القادرة على صناعة ثقافة تتجاوز حدودها الجغرافية.










































