اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ أب ٢٠٢٦
د. هاني بن محمد أبوراس
في كل مسار تطوير عمراني تأتي لحظة يُسأل فيها عن جدوى ما تحقق، فتُستحضر المؤشرات وتُقارن الأرقام بما كان عليه الوضع قبل التدخل. غير أن ما يظهر في هذه اللحظة لا يستوعب الأثر كاملاً، لأن جزءاً منه لا يدخل أصلاً ضمن دائرة ما اعتاد القياس الإحاطة به. ومن هنا يبدأ التمييز بين تطوير يُحسب بما أضافه، وتطوير يُحسب بما حافظ عليه أيضاً. وهو فارق لا يظهر في لحظته الأولى، بل يحتاج زمناً ليتكشّف، ويحتاج زاوية نظر مختلفة ليُدرك. ومن هنا يبرز سؤال لا يتعلق بما أُضيف إلى المكان فحسب، بل بما بقي منه بعد التطوير.
والمكان، حين يُعاد تشكيله، لا يخسر فقط ما كان عليه، ولا يكسب فقط ما أُضيف إليه، بل يدخل في علاقة جديدة مع من يعرفه، ومع من يقصده، ومع من يحمل عنه صورة في ذاكرته. وهذه العلاقة لا تظهر في مؤشرات الاستخدام، ولا في معدلات الزيارة، ولا في أرقام الاستثمار، لأنها لا تتشكل في لحظة العبور به، بل في لحظة التعرّف عليه. والتعرّف هنا ليس فعلاً بصرياً فحسب، بل استدعاء لما اختزنته الذاكرة من ملامح وصور ومسارات. وحين يُعاد تشكيل المكان دون استحضار هذا البُعد، فإنه يُرى لكن لا يُعرَف، ويُزار دون أن يستعيد المعنى الذي ارتبط به.
ومن هنا يقع الالتباس الأول في تقدير الأثر، إذ يُخلط بين ما يجعل المكان جميلاً وبين ما يجعله مكاناً بعينه. الجمال يمكن إنتاجه، والانسجام البصري يمكن استدعاؤه عبر أدوات التصميم، أما الخصوصية فلا تُنتج، بل تُحفظ. وهذا فارق جوهري في طبيعة العمل، فما يُصمَّم يُحدد في نقطة بداية، أما ما يُحفظ فيتوقف على استمرارية حضوره في القرارات اللاحقة. ولهذا قد يخرج المكان بعد تطوير محكم متقناً في تصميمه، منفصلاً عن المعنى الذي عُرف به. فيظهر كأنه نسخة محسّنة من ذاته، بينما هو في حقيقته كيان جديد ارتدى ملامح القديم. والفارق بين الحالتين لا يتكشف لمن لا يحمل صورة سابقة عنه، ولا تلتقطه أدوات القياس وحدها، لكنه يُدركه من يحمل المكان في وعيه قبل أن يصل إليه.
والقياس التقليدي يقف عند هذا الحد، لأنه مُصمَّم ليرصد ما يمكن قياسه بصورة مباشرة، من عدد المرافق ونسب الرضا وحركة التنقل وحجم الإنفاق وجاذبية الاستثمار. وهذه مؤشرات دقيقة فيما تقيسه، لكنها لا تُبين ما إذا كان المكان قد بقي قابلاً للتعرّف عليه ممن يعرفه. وحين يقتصر التقييم عليها وحدها، فإن ما يقع خارجها يُفقد دون أن يُلحظ فقدانه، لأن غياب المعنى لا يُسجَّل في تقارير الأداء، ولا يُنبَّه إليه إلا حين يُسأل عنه من خارج إطار القياس، وغالباً ما يكون السؤال متأخراً، بعد أن تكون صورة المكان قد ابتعدت عمّا عُرفت به، على نحوٍ لا يسهل تداركه لاحقاً.
وعند هذا الحد يصبح التفريق بين أداتين أمراً لا يحتمل التأجيل. أداة تصميم تُجيب عن سؤال كيف يُبنى المكان، وأداة قياس أثر تُجيب عن سؤال ماذا حدث للمكان بعد أن بُني. الأولى مدخل، والثانية مخرج. الأولى تضع الموجّهات، والثانية تتحقق من النتيجة. ويمكن أن تُطبَّق الأولى بكامل دقتها، ومع ذلك تُخطئ الثانية في تشخيص ما حدث، لأن انضباط الأداة لا يضمن سلامة الأثر، وحُسن المدخلات لا يكفي للحكم على المخرجات. ومن ثم، فإن منظومة القياس التي لا تُكمل أدوات التصميم بأدوات تقييم الأثر تظل ناقصة، مهما بلغت أدواتها من الإحكام.
وفي الأماكن التي تحمل وزناً يتجاوز حدودها الجغرافية، يصبح هذا النقص أكثر كلفة. فثمة أماكن لا تُعرَف فقط عند من يسكنها، ولا فقط عند من يزورها، بل تحضر في وعي جمعي أوسع، يحمل عنها صورة بُنيت عبر الزمن، ويتوقع أن يجدها كما عُرفت. وحين تتغير هذه الأماكن دون أن يُحفظ ما يجعلها قابلة للتعرّف، فإن ما يُفقد لا يبقى ضمن حدود المكان، بل يمتد إلى ما يمثّله في الذاكرة الأوسع. ومن هنا، فإن تقييم التطوير في مثل هذه الأماكن لا يكتمل بأن يُسأل ما الذي تحسّن، بل يلزم أن يُسأل أيضاً هل بقي المكان حاضراً في صورته التي عُرف بها؟ وهذا السؤال لا يقع خارج منطق التقييم نفسه، بل يتصل بطبيعته وحدوده وما يتركه خارج الاعتبار.
ولهذا فإن التحدي ليس في إضافة مؤشرات جديدة إلى ما هو موجود، بل في إعادة تعريف ما يُقاس أصلاً. فحين يقتصر تعريف الأثر على ما يمكن قياسه بصورة مباشرة، يبقى ما هو جوهري خارج إطار النظر. أما حين يتسع التعريف ليشمل استمرارية المعنى، فإن المؤشرات تُعاد صياغتها لتتقاطع مع طبقات أعمق من العلاقة بين المكان والإنسان. وعند هذا المستوى لا يعود التطوير فعلاً يُضيف فحسب، بل فعلاً يُضيف ويحفظ في آن واحد، ويصبح السؤال عن المكان بعد التطوير سؤالاً عن استمراره في الذاكرة، لا عن حضوره في اللحظة وحدها.
فما يبقى من المكان لا تحدده جودة ما أُضيف إليه وحدها، بل قدرة التطوير على أن يحفظ ما جعل هذا المكان مكاناً منذ البداية.










































