اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٣ كانون الثاني ٢٠٢٦
كنتُ قد كتبتُ في مقال سابق عن ضرورة استخدام اللغة العربية في المتاحف بشكل فاعل، وعدم الاكتفاء بترجمة النصوص الانجليزية، مع ضرورة أن تكون اللغة العربية هي اللغة الأساسية في السرد المتحفي لترسيخ الهوية الثقافية. وانطلاقًا من هذا التصور، أتناول في هذا المقال موقع اللهجة السعودية العامية في السرد المتحفي، ودورها كمصدر من مصادر اللغة العربية، وعنصرًا أساسيًا في «لغة العرض» المعتمدة في المتاحف.
تتميّز اللهجة السعودية العامية بعمق ارتباطها بجذور العربية الفصحى، وهو ارتباط تشكّل تاريخيًا نتيجة نشأتها في قلب الجزيرة العربية. وهذا الامتداد اللغوي يتيح للمتحف فرصة إعادة قراءة العلاقة بين الفصحى والعامية ضمن سياق ثقافي متكامل، حيث تسهم العامية في استكمال الصورة اللغوية، وتدعم السرد من خلال مفردات وتراكيب ما زالت تحمل آثار استعمالات عربية قديمة.
تقتصر اللغة المستخدمة في المتحف عادةً على اللغة الفصحى الرسمية. بينما تسعى «لغة العرض» في الممارسات المتحفية الحديثة إلى إيجاد رابط بين المعروض والزائر. وهنا تبرز أهمية اللهجة السعودية كلغة قادرة على استحضار البُعد الثقافي والإنساني للمجتمع. ومن ذلك كلمات متداولة مثل: سنع، زود، هقوة، علوم، مهوب، حاس، خضّ، يقيّل عندما تُوظّف ضمن السرد المتحفي، تؤدي وظيفتها التفسيرية، وتستدعي زمنها الاجتماعي، وتحمل في طياتها جذورها الفصيحة التي وردت في الشعر العربي الفصيح والاستعمالات العربية المبكرة.
وفي تجربة شخصية، زرتُ «واحة التحلية» ضمن واحات الرياض، حيث لمستُ حضور اللهجة العامية كجزء أساسي من السرد المتحفي. ففي قسم التمور، وُظّفت الأسماء العامية المتداولة محليًا مثل: «الخلاص»، و»السكري»، و»الصقعي»، و»البرحي»، و»المجدول»، «نبوت سيف»، وهي أسماء تحمل في نطقها وتداولها الموروث الثقافي، وتربط الزائر بتراث النخيل في الجزيرة العربية. كما استمعتُ في قسم صوتي يشرح «حمس القهوة» وطريقة تقديمها باللهجة العامية، حيث استُخدمت مفردات دالّة مثل: «المحماس»، و»النجر»، و «فوح القهوة»، و «الدلة»، مع ذكر اسم الفنجال الأول «الهيف» وهو مسمى فصيح يعني الميلان، ومعناه في السياق الفنجال الأول الذي يسكب بميلان خفيف من الدلة لاختبار طعم وجودة القهوة، وشرح معنى «زلّ القهوة» أي صوت سكب القهوة في الدلة وهو تفصيل لا يمكن نقل بُعده الثقافي إلا باللهجة المحلية. هذا التوظيف المؤثر للعامية عزّز فهم المحتوى، وقرّب التجربة التراثية من وجدان الزائر.
وتحتفظ اللهجة السعودية بسِمات صوتية وصرفية ذات قيمة لغوية عالية، من أبرزها وضوح مخارج الحروف، واستمرار نطق أصوات اختفت من لهجات أخرى. هذه الخصائص تمنحها قيمة إضافية في السرد المتحفي، إذ يمكن توظيفها في التسجيلات الصوتية، أو الشهادات الشفوية، أو إعادة تمثيل الحياة اليومية القديمة، لتصبح اللغة «قطعة متحفية» غير مادية، معروضة كما تُعرض الأدوات والوثائق.
ومن الزاوية الثقافية، تشكّل اللهجة السعودية حاضنة للتراث الشفهي، بما يشتمل عليه من أمثال وحِكم، وشعر نبطي، وحكايات متوارثة. وعند نقل هذا التراث إلى المتحف، يتحول إلى سرد موثّق يسهم في قراءة التاريخ الاجتماعي، ويمنح الزائر مدخلًا لفهم التحولات الثقافية من خلال اللغة. وكما استفاد اللغويون من اللهجات المحلية في تفسير ألفاظ قرآنية ونصوص شعرية، اعتمادًا على استمرار تداولها، فإن ذلك يعكس مكانة العامية ضمن المنظومة اللغوية العربية.
إدماج اللهجة السعودية أو «اللغة العَرْضية» في السرد المتحفي لا يهدف إلى إضعاف حضور العربية الفصحى في المتاحف، وإنما يؤدي إلى تعزيز حضورها عبر ترسيخ فهم المحتوى المعرفي، وتيسير تلقي الرسالة الثقافية والتاريخية لدى الزائر. فالفصحى تواصل أداء دورها في البناء المعرفي وصياغة الخطاب العام، بينما تسهم العامية في تقريب المعنى وربط المحتوى بالمجتمع.
ويتقاطع هذا التوجه مع الممارسات الحديثة للمتاحف، التي تنظر إلى اللغة كجزء أساسي من المحتوى الثقافي، لا كوسيلة شرح فقط. فبناء الجملة، وتنوع المستويات اللغوية، يساهمان في تشكيل التجربة السردية داخل المتحف. كما يضيفان بعدًا إنسانيًا يُتيح للزائر التفاعل مع المعروضات، وفهم السياق الاجتماعي والثقافي الذي نشأت فيه، مما يُوسع أفق التلقي، ويقرب التجربة التاريخية من الحياة اليومية للناس.
ويتيح حضور اللهجة السعودية في السياق المتحفي إبراز التنوع اللغوي داخل المملكة، وربطه بالبيئات الجغرافية والاجتماعية المختلفة. وهذا يعكس ثراء التجربة المتحفية، ويزيد وعي الزائر بتاريخ اللغة ومسار تطورها التاريخي.
ومن خلال هذا التكامل بين الفصحى والعامية، يتشكل سرد متحفي أكثر قدرة على الاتصال بالزائر، وأكثر التصاقًا بالموروث الثقافي، حيث تؤدي اللغة دورًا محوريًا في نقل المعرفة، واستدعاء السياق السردي، وبناء علاقة متوازنة مع مراحل التطور التاريخي للمجتمع. وبهذا تتحول اللهجة السعودية العامية من وسيلة تواصل يومية إلى تعبير لغوي محلي، ورافدًا من روافد اللغة المهمة في النقل والتفسير.










































