اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٢ حزيران ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
كنّا منذ الصغر -في المدرسة، أو في البيت– نتشاغب كثيراً، ونلهو كثيراً، كما يفعل الصغار في أوقات مرحهم ولعبهم، وكان الواحد فينا إذا تجاوز الخطوط الحمراء من اللعب المسموح، أو اقترف خطأً، أو بدر منه تقصير، جاءته عبارات اللوم والتأنيب، وصيغ العتاب والتأديب، وكان من بين تلك العبارات صيغ كثيرة تتردّد علينا، من قبيل: «كن مؤدّباً – التزم بالأدب – فلان مؤدب – لا بد أن أؤدّبك – أنت تحتاج تأديباً – سوف أجعل أهلك يؤدبونك – أنت غير مؤدب..»، ونحوها من الصيغ التحذيرية والتوبيخية التي يؤطرها التأديب بإطار الانضباط، والالتزام، وعدم الوقوع في الخطأ مرة أخرى.
ويظهر أن لهذه اللفظة (أعني التأديب أو التأدب) تاريخاً قديماً، جعلها مرتبطة لدى الأقدمين بالتهذيب، والترقيق، والتوجيه المعنوي، ثم اقترنت بعد ذلك بالجانب التعليمي، فظهرت قديماً طائفة المؤدبين الذين هم فئة من كبار العلماء: اللغويين، أو المحدثين، أو الفقهاء، أو نحوهم، ممن هم مؤثرون في التراث العربي والإسلامي، وكان من شأن أولئك النفر من المؤدبين العناية بأبناء الخلفاء، والأمراء، والوزراء، وعلية القوم من ذوي الطبقات الرفيعة، والخاصة، وتعليمهم، وتربيتهم، وتثقيفهم، وتقوية مداركهم؛ ليكونوا أقوياء أشداء في أمور دينهم ودنياهم، فمن ها هنا اكتسبت لفظة التأديب طابعاً تعليميًّا، وتربويًّا، وأخلاقيًّا، ومعنويًّا.
وبعيداً عن الأدب الذي هو علم الشعر والنثر، وبعيداً عن حركة التأديب، وطائفة المؤدبين، فنحن هنا أمام مبدأ تواصلي بين اثنين، يعرف بالتأدّب، قوامه التقدير والاحترام، وأساسه التوقير والالتزام، وربما كان معروفاً في القديم لدى البلاغيين بـ(مراعاة أحوال المخاطب)، وذلك أن البلاغيين القدامى كانوا يهتمون بمعيار التخاطب، وبمبدأ مقتضى الحال، فكانت العلاقة التواصلية المبنية على الاحترام والتقدير شكلاً من أشكال مراعاة أحوال المخاطب، ومقتضى الحال، ولكن لم يكن يُعرف (مبدأ التأدب) في القديم في لفظه واصطلاحه هذا، وإن وُجدت بعض استعمالاته وإجراءاته في كثير من النماذج، في التراث العربي والإسلامي.
غير أن مبدأ التأدب بات أكثر وضوحاً في الاصطلاح النقدي المعاصر، حيث أخذ يشير هذا المصطلح (Politeness Principle) إلى الحوار الهادف للتقريب بين طرفين؛ وذلك لجعل عملية التواصل أكثر مرونة وليونة، ويهدف هذا المبدأ إلى ضمان نجاح عملية التواصل، وتقليل حدة التصادم والتشاكل بين المتحدثين، وكان للعالم اللغوي (جيفري ليتش Leech Geoffrey) أثر كبير في التأسيس لهذا المصطلح، وبناء تصوراته، فتوقف عند مبادئ التهذيب (Politeness Principle)، وذلك من خلال نظريته حول التهذيب اللغوي التي فصّل وأصّل لها في كتابه (Principles of Pragmatics)، مقسماً إياها إلى قواعد (Maxims) مثل: اللباقة، الكرم، الاستحسان، التواضع، الاتفاق، التعاطف، ونحوها من القواعد التي تهدف إلى تقليل وقوع الإساءة، وتعزيز التفاعل الإيجابي في العملية التواصلية.
وقد أضاف (ليتش) في نظريته هذه إلى مبادئ التداولية الأخرى، كمبدأ التعاون، والتواجه، ثم جاء (براون وليفينسون Brown and Levinson) الذي ركز جهده في مبدأ التأدب أو التهذيب بوصفه نظرية لسانية اجتماعية تداولية، تعتمد على مفهوم (حفظ ماء الوجه)؛ وتفسير كيفية تواصل البشر، وتجنب الصدام فيما بينهم أثناء عملية التحاور، أو التواصل؛ لذلك اشتغل (براون) في تعزيز هذا المبدأ على افتراض أن كل تواصل يحمل احتمال تهديد (ماء الوجه)؛ لذا أخذ يؤكد على ضرورة أن يستخدم المتحدث إستراتيجيات لغوية محددة؛ للتخفيف من حدة الكلام، أو قوة النقاش. ولفت إلى أفعال تهديد الوجه، كالتصرفات، والطلبات، والانتقادات، وذكر أن من أبرز مظاهر التأدب: التصريح المباشر، والتأدب الإيجابي، والتأدب السلبي، والتأدب غير المباشر.










































