اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ أيلول ٢٠٢٦
د. م. عصام أمان الله بخاري
قبل ما يقارب تسعة قرون من الزمن، وبعد محاكمة صورية ظالمة تم إعدام القائد العسكري الصيني يويه في.. قصة هذا القائد تبدأ عندما اجتاحت دولة جين شمال الصين وسقطت عاصمة أسرة سونغ، فانسحب الحاكم وحاشية البلاط إلى جنوب البلاد. وفي ذلك الوقت العصيب ظهر القائد يويه في والذي قاد باقتدار حملات عسكرية لاستعادة الأراضي المسلوبة وحقق انتصارات عظيمة جعلت اسمه رمزاً للبطولة والتضحية وصنعت له حباً وتقديراً بين الناس. وكما هو جميع الناجحين صنعت هذه الإنجازات للقائد يويه في الكثير من الأعداء والحساد خصوصاً بين حاشية القصر.
وبينما كان القائد يويه في منهمكاً في الدفاع عن الثغور والحرب على أعداء وطنه كان الحاقدون عليه منهمكين في معركة قذرة داخل أروقة البلاط. لم يكن الأمر صعباً على مستشار الإمبراطور تشين هوي ومن معه أن يختلقوا تهماً باطلة دون أي أدلة ليتم على إثرها استدعاء القائد تشين هوي وتجريده من كل مناصبه واعتقاله بتهمة التخطيط لقيادة تمرد ضد الامبراطور.
لكن في البلاط كانت هناك معركة أخرى لا تقل شراسة عن الجبهة. يويه في ومن معه كانوا يرون أن الطريق هو مواصلة القتال واستعادة الشمال، بينما كان الامبراطور ومستشاره القوي تشين هوي يميلان إلى إيقاف الحرب والصلح مع جين. وكما يحدث كثيراً في دهاليز القرار، لم ينتصر بالضرورة الرأي الأشجع أو الأنبل، بل الرأي الأقرب إلى مركز النفوذ. وفي عام 1142م جرى إعدام القائد يويه في ظلماً وعدواناً وضغطت حاشية البلاط ليتم عقد صلح مع الدولة المعتدية جين.
ظنت حاشية البلاط أن القصة انتهت والمحكمة قضيت، ولكن الحقيقة أن الناس لم تنسَ البطل القائد يويه في الذي أعيد له اعتباره وتم تخوين وتجريم المستشار تشين هوي والمتآمرين معه. وتخليداً لهذه الرافعة صنعت تماثيل حديدية راكعة ذليلة للغادرين من حاشية البلاط من أمثال تشين هوي. ومنذ ذلك الزمن وإلى يومنا هذا يقوم الناس بركل هذه التماثيل وصفعها رغم السنين والقرون التي مضت.
هذه القصة تذكرنا أن الأيام دول وأن الظالم سيلقى جزاءه عاجلاً أو آجلاً. وفي الوقت نفسه ومهما مرت السنوات فالناس ستظل تتذكر كيف تعاملت معها وكيف جعلتها تشعر سلباً أو إيجاباً.
وهنا يأتي السؤال الإداري البسيط والخطير: هل ستصنع تمثالاً لمديرك الذي ظلمك؟
لن أرتدي ثوب المثالية وأقول: نسيت كل شيء، وأنا ممتن للجميع، والسماء صافية، والعصافير تزقزق، والورود متفتحة.. لا، فالحقيقة أن بعض الأذى يترك علامة، وبعض الظلم والألم لا يغادر الذاكرة بسهولة ويظل أثره مهما طال الزمن.
بالنسبة لي، صنعت في مخيلتي تمثالاً لكل مدير أو زميل آذاني. لكنني قررت ألا أصفعه بيدي، بل أصفعه بعكس ما فعل.. من سرق إنجازاتي، أرد عليه بأن أبرز إنجازات من يعملون معي.. ومن هضم حقوقي، أرد عليه بأن أقاتل لأجل حقوق الضعفاء والمستحقين.. ومن اغتابني وشوّه سمعتي، أرد عليه بأن أرفض الغيبة والنميمة والشكاوى الكيدية دون تبين أو تثبت.
الانتقام الحقيقي ليس في أن تستنسخ أسوأ خصال وسلوكيات من آذاك، بل أن تمنع طريقته وسلوكياته الشائنة من أن تنتشر وتتكرر بسببك.. والأجمل أن تسامح الأشخاص، وتعفو عنهم، وتترك الانتقام محصوراً في تلك التماثيل الوهمية.










































