اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٣ أب ٢٠٢٦
د. مشاري النعيم
السؤال عن إمكانية إيجاد حلول ليس سؤالًا إجرائيًا، بل سؤال وجودي يتعلق بقدرة التعليم نفسه على البقاء.. فالتقنيات الجديدة لا تمنحنا الوقت الكافي للتكيّف، بل تفرض واقعًا يتغير أسرع من قدرتنا على فهمه.. ولهذا يشعر كثير من العاملين في التعليم أنهم أمام موجة لا يمكن اللحاق بها، وأن الأدوات التي اعتادوا استخدامها لم تعد صالحة..
كل عام دراسي أفكر في التحديات الجديدة التي يمكن ان تواجهنا، في الاعوام السابقة كانت التحديات يمكن استيعابها وتصور حدودها وربما تدور حول الطلاب والامكانات المتاحة وفرص توفر مصادر المعلومات، لكن فجأة بدأت تتصاعد التحديات بشكل متسارع حتى أنه لم يعد في الامكان تعريف هذه التحديات لأنها تتركز في تحد واحد وهو الذكاء الاصطناعي. أحد الاسئلة المباشرة تمثلت في تعريف العملية التعليمية برمتها، فهل مازالت تعني نقل المعرفة من الاستاذ الى الطالب؟ وهل مازال الطالب يحتاج الى مثل هذا النقل؟ كيف إذا سنعرف التعليم اذا كانت التقاليد القديمة تكسّرت وانهارت فهي في طريقها الى الزوال، بينما لم يظهر في الافق تقاليد جديدة واضحة يمكن ان نقول انها ستحدد مفهوم التعليم في السنوات القادمة.
هذا التحوّل الذي جعل الذكاء الاصطناعي يتصدر المشهد ليس مجرد تطور تقني، بل هو زلزال يعيد تعريف العملية التعليمية من جذورها. فالتعليم، كما عرفناه لعقود، كان يقوم على انتقال المعرفة من عقل إلى عقل، ومن خبرة إلى أخرى، ومن تجربة إلى أخرى. لكن حين يصبح الطالب قادراً على الوصول إلى المعرفة بضغطة زر، وحين يصبح قادراً على توليد الإجابات وتحليل النصوص وصياغة الأفكار عبر أدوات ذكية، فإن السؤال لم يعد: ماذا نعلّم؟ بل: لماذا نعلّم؟ وما الذي تبقى للمعلم في عالم لم يعد فيه امتلاك المعلومة ميزة؟ إن التحدي اليوم ليس في حجم المعرفة، بل في طبيعتها، لأن الذكاء الاصطناعي لا يقدم معلومة فقط، بل يقدم طريقة جديدة للتفكير، ويعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة. وهكذا تصبح العملية التعليمية أمام اختبار وجودي، بينما نقف في منطقة انتقالية ضبابية لا يمكن فيها الدفاع عن الماضي ولا التنبؤ بالمستقبل.
هل فعلا الذكاء الاصطناعي يخلق تحديات أمام التعليم أم أنه يخلق له فرصا جديدة؟ سوف أتحدث عن تجربتي الخاصة، ولا يعني ذلك انها تعكس حقيقة العلاقة المشدودة بينهما، فمنذ ان ظهر محرك 'غوغل' للبحث بدأت تتطور ظاهرة ارتبطت بالبحث العلمي وجدية الطلاب في عملية التعامل مع مصادر المعرفة. ملاحظتي انصبت حول قدرة الطلاب على الاستيعاب فسهولة الوصول للمعرفة قللت من جدية التعامل معها، حتى ان كثيرا من طلاب الدكتوراه صاروا يتعاملون مع الملخصات بدلا من القراءة الجادة ولم يعد لديهم قدرة عميقة على الربط. ما اقصده هو أن بناء الشبكة المعرفية الذهنية التي يمكن ان تكوّن البحث اصابها بعض الخلل. حتى هذه اللحظة كنت اعتقد ان الخلل يمكن تداركه لكن مع الذكاء الاصطناعي أصبح من الصعوبة بمكان قياس جهد الطالب الحقيقي، وهذا يعني أن العملية التعليمية القائمة على التقييم والقياس اصابها خلل واضح.
هذا السؤال، هل الذكاء الاصطناعي تهديد أم فرصة؟ هو في جوهره سؤال عن طبيعة المعرفة نفسها، وعن قدرة الإنسان على التعامل معها حين تصبح متاحة بلا جهد. فالتحدي الذي بدأ مع 'غوغل' لم يكن في وفرة المعلومات، بل في تراجع قيمة السعي إليها. حين تصبح المعرفة سهلة، يصبح التعامل معها سطحياً، ويضعف ذلك القدرة على الربط والتحليل وبناء الشبكات الذهنية التي تجعل الطالب قادراً على إنتاج معرفة جديدة لا مجرد استهلاكها. ومع الوقت، بدأت تتشكل ظاهرة جديدة: الاعتماد على الملخصات والقراءات السريعة والاقتباسات الجاهزة، وهو ما أثر على جودة البحث العلمي وعلى قدرة الطالب على بناء العمق المعرفي. لكن الذكاء الاصطناعي نقل هذا التحدي إلى مستوى آخر، إذ لم يعد الأمر يتعلق بسهولة الوصول إلى المعلومة، بل بإمكانية إنتاجها آلياً، مما يجعل من الصعب قياس جهد الطالب الحقيقي.
هذا العام سألت نفسي: هل نستطيع ان نضع حلولا أو نطور آليات للتكيف مع كل هذه الضغوط التي يبدو أنها فاجأت المنشغلين بالتعليم؟ ربما لم يجدوا أدوات أخرى تنقذهم من هذا المأزق، وبعضهم ربما لا يريد أن يفكر فيما سيحدث السنوات القادمة، فسرعة التغيّر التقني أعلى بكثير من القدرة على التكيّف. كنت اعتقد في السابق انه عندما يكون الطالب مكان المعلم ليقود المادة المعرفية في قاعة المحاضرات هو الحل، لكن الآن بدأت أشكك في هذا الحل لان الذكاء الاصطناعي صار يفكر عن الطالب وانتقلت عملية التلقين بدلا من المعلم الى الطالب لتصبح من الذكاء الاصطناعي الى الطالب، فإلى اين سيتجه التعليم في السنوات القليلة القادمة.
هذا السؤال عن إمكانية إيجاد حلول ليس سؤالاً إجرائياً، بل سؤال وجودي يتعلق بقدرة التعليم نفسه على البقاء. فالتقنيات الجديدة لا تمنحنا الوقت الكافي للتكيّف، بل تفرض واقعاً يتغير أسرع من قدرتنا على فهمه. ولهذا يشعر كثير من العاملين في التعليم أنهم أمام موجة لا يمكن اللحاق بها، وأن الأدوات التي اعتادوا استخدامها لم تعد صالحة. الفكرة التي كانت تبدو حلاً، أن يقود الطالب المادة المعرفية، كانت منطقية في زمن كان فيه الطالب يبحث ويقرأ ويحلل، لكن حين يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على التفكير نيابة عنه، فإن هذا النموذج يفقد معناه. لم يعد الطالب يقود المعرفة، بل أصبح يتلقى معرفة جاهزة من آلة تفكر عنه، وهنا يحدث التحوّل الأخطر: انتقال التلقين من المعلم إلى الذكاء الاصطناعي، بينما يبقى الطالب مجرد وسيط بين الأداة والورقة. وهذا يضع التعليم أمام سؤال صعب: ما الذي يبقى من 'التعلّم' حين تختفي التجربة ويضعف الجهد ويتراجع دور العقل البشري في إنتاج المعرفة؟ السنوات القادمة قد تشهد إعادة تعريف كاملة لدور الطالب والمعلم، وربما إعادة صياغة مفهوم المدرسة نفسها، لأن الذكاء الاصطناعي لا يغير الأدوات فقط، بل يغير طبيعة العلاقة بين الإنسان والمعرفة.










































