اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣١ تموز ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
المجتمع الذي عرف بالكرم والتكافل لا ينبغي أن يكون بيئة يُستغل فيها حسن النية، ولا أن تتحول دور العبادة والمرافق العامة إلى ساحات لممارسات تزعج الناس وتفتح أبواباً لمخاطر أمنية واجتماعية.. فالتسول المنظم أصبح وأمسى قضية تستوجب الحزم والوعي ليُغلق الباب أمام كل من اتخذ التسول وسيلة للكسب غير المشروع أو غطاء لأهداف أخرى..
لم يعد التسول ظاهرة عابرة يمكن النظر إليها بوصفها حالات فردية متفرقة، بل أصبح في بعض المواقع سلوكاً منظماً يفرض حضوره على المشهد اليومي، ويستدعي وقفة جادة لفهم أسبابه وأبعاده وآثاره المتشعبة. وما لفت انتباهي أخيراً أنني مررت للصلاة بمسجدين مختلفين خلال يوم واحد، فصادفت سبعة متسولين من جنسيات عربية متعددة.. في مشهد يبعث على القلق ويؤكد أن الأمر تجاوز حدود الحاجة الفردية إلى ظاهرة تتوسع وتستغل عاطفة المجتمع وطيبته.
المساجد هي بيوت الله، يقصدها الناس طلباً للسكينة والعبادة والخشوع، لكن بعض المتسولين حولوا محيطها، بل وأحياناً صحنها الداخلي، إلى ساحة مفتوحة لممارسة أساليب متنوعة لاستدرار العواطف وجني المال. ولم يعد الأمر مقتصراً على الوقوف عند الأبواب الخارجية، بل وصل إلى دخول بعض النساء وصغيرات السن وبعضهن يعرضن حلويات للبيع داخل المسجد بالقرب من المداخل والمصليات، بما يسبب تشويشا كبيراً على المصلين ويخالف قدسية المكان وطمأنينته الإيمانية.
ولم تتوقف الظاهرة عند المساجد أو التسول الإلكتروني عبر الرسائل والمنصات الرقمية ومواقع التواصل، بل تطورت أساليبها الميدانية بصورة لافتة. فمنهم من يفاجئك في أي مكان فيطلب المال بشكل مباشر وملح، ومنهم من يلاحق المصلين بعد خروجهم من المساجد أو يقترب من قائدي المركبات عند الإشارات المرورية. وهناك من يقف مخاطباً الناس بخطاب مؤثر، يصطحب معه طفلاً صغيراً أو قد يدّعي المرض لاستثارة مشاعر الحاضرين. وآخرون يطلبون شراء مواد غذائية من الأسواق أو أدوية وحليب أطفال من الصيدليات، ثم يعيدون بيعها بنصف قيمتها للحصول على النقد، فضلاً عن استغلال تعاون بعض المقاهي والمطاعم للتجول بين الزبائن دون مانع.
هذه المشاهد المتكررة تثير تساؤلات مشروعة لدى الجميع: كيف يتمكن بعض هؤلاء، وهم في كامل صحتهم وقوتهم البدنية، من التنقل بحرية بين المواقع وممارسة التسول بصورة يومية؟ وأين مسؤولية من استقدمهم إن كانوا من العمالة الوافدة؟ وكيف يصلون إلى هذه المواقع الحساسة دون حد من نشاطهم؟ إنها أسئلة لا تتعلق بالفقر وحده، بل ترتبط بوجود خلل تنظيمي يستحق الدراسة الميدانية والمعالجة الحازمة.
ومن الخطأ الجسيم اختزال القضية في بعدها الإنساني المجرد، لأن التجارب الميدانية أثبتت أن التسول المنظم قد يرتبط بممارسات أمنية خطيرة تتجاوز مجرد طلب المال، مثل: استغلال الأطفال والتكسب ببراءتهم، أو مخالفة أنظمة الإقامة والعمل، أو جمع الأموال بطرق غير مشروعة، بل قد يستغل بعض ضعاف النفوس هذه الممارسات كغطاء لأنشطة مشبوهة. ولذلك فإن التعامل مع الظاهرة يجب أن يكون شاملا يوازن بدقة بين البعد الإنساني والبعد الأمني، ويحفظ كرامة المحتاج الحقيقي، ويواجه المستغل والمخالف بكل حزم.
إن تشخيص المشكلة يقود إلى أن استمرارها يعود إلى عدة عوامل، من أبرزها سهولة الحصول على المال باستدرار عاطفة الناس، وضعف ثقافة الإبلاغ لدى أفراد المجتمع، وتهاون بعض المنشآت التجارية في منعهم من الدخول، إلى جانب غياب التنسيق الكافي بين الجهات ذات العلاقة في رصد الحالات والتعامل معها بصورة سريعة ومنظمة.
أما الحل؛ فيبدأ بإجراء مسح ودراسة ميدانية ومراجعة دقيقة تكشف حجم الظاهرة وأساليبها التقليدية والحديثة وأماكن انتشارها، وأكثر الجنسيات التي تمارسها ثم تعزيز التنسيق الفاعل بين جميع الجهات المعنية، وعلى رأسها مثلاً وزارة الشؤون الإسلامية مشكورة من خلال أئمة المساجد والعاملين فيها، والجهات المختصة بمكافحة التسول والأجهزة الأمنية مشكورة، إضافة إلى مسؤولي الأسواق والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي، ووزارتي الصحة والتجارة لمتابعة التجاوزات.
كما أن للمواطن والمقيم دوراً وطنياً محورياً، يتمثل في عدم تشجيع التسول بإعطاء المال في الطرقات، والإبلاغ الفوري عن الحالات المشبوهة عبر القنوات الرسمية.
ومن الضروري أيضاً أن تخصص إدارة مكافحة التسول رقماً موحداً وسهل الوصول لتلقي البلاغات، مع تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الإبلاغ وعدم الانسياق وراء الأساليب العاطفية التي يتقنها المتسولون، لأن الإحسان الحقيقي والآمن يتجسد في التبرع عبر المنصات الوطنية المعتمدة (مثل: منصة إحسان) لتصل المساعدات إلى مستحقيها الفعليين لا إلى من احترف استغلال المشاعر.
ويبقى القول: إن المجتمع الذي عرف بالكرم والتكافل لا ينبغي أن يكون بيئة يُستغل فيها حسن النية، ولا أن تتحول دور العبادة والمرافق العامة إلى ساحات لممارسات تزعج الناس وتفتح أبواباً لمخاطر أمنية واجتماعية. فالتسول المنظم أصبح وأمسى قضية تستوجب الحزم والوعي، حتى تبقى المساجد آمنة مطمئنة، ويُصان العطاء، ويُغلق الباب أمام كل من اتخذ التسول وسيلة للكسب غير المشروع أو غطاء لأهداف أخرى.










































