اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ حزيران ٢٠٢٦
د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ
يمكن للمؤسسة أن تطلق برنامجا لإسكان الموظفين في مؤتمر صحفي، أو تصدر موافقة مجلس الوزراء على نظام جديد للمشتريات الحكومية، أو إصدار إعفاءت ضريبية في القطاع العقاري. لا يصبح أي من تلكم القرارات واقعا إلا بعد سلسلة من الإجراءات، تنتهي بنظام حاسوبي بشكل أو بآخر.
يجلس خلف الستار نظام حاسوبي يستوعب البرامج ويشغلها بصمت، لسنوات ظلت الأنظمة البرمجية المؤسسية أنظمة مكتبية تدير التمويل، ومسيرات الموظفين، والمشتريات، والمخزون، والموارد البشرية. كل ذلك كان مهما بدرجة ما حسب الرأي السائد، لكن أهميته لا تبلغ المستوى السياسي، وإن كان مكلفا ماليا لكن لا ينظر إلى أن له أهمية استراتيجية، لكن مع تقدم التحول الرقمي اليوم، لم يعد هذا الرأي دقيقا.
في المؤسسة الحديثة، أصبحت الأنظمة الكبرى أقرب لنظام تشغيل إداري ضخم، يحدد آليات المؤسسة المالية والإدارية ممسكة بذاكرتها، من أجل ذلك إذا فشلت هذه الأنظمة لا يكون الفشل تقنيا فقط، فعندما تعطلت التقارير المالية في نظام الموارد المؤسسية لمجلس مدينة برمنغهام في بريطانيا، لم تقف المشكلة عند الإصلاح الفني، بل فقد المجلس السيطرة على حساباته معتمدا على الحلول اليدوية مما أثار أسئلة حول كفاءة المجلس فخسر سمعته وهيبته، بدأت بمشكلة فنية وإدارية وانتهت سياسية.
تكشف حالات الفشل عما هو أكبر من كفاءة البرمجيات. البرمجيات تشغل الإجراءات المؤسسية وتهيكلها أيضا. لكن عندما تتراكم المعرفة المؤسسية تدريجيا يصبح سؤال السيادة التقنية حرجا.
ما يخل بالسيادة هو نقص المعرفة بتقنيات المؤسسة حتى لو اكتملت المعرفة بأعماله. يمكن للبيانات أن تكون محلية لكن آليات التنفيذ خارجية. إذا كان المورد يملك تفاصيل الأدوات التنفيذية، فمعرفة الأعمال المؤسسية وحدها لا تفيد. تقع المشكلة عندما تعرف كيف تصرف الرواتب إجرائيا لكن لا تعرف كيف ينفذها النظام الحاسوبي تقنيا، السيادة هنا ليست شعارا، لكنها قدرة المؤسسة على فهم أنظمتها فهما يمكنها من السيطرة عليها بكل حرية.
الخطر الأكبر ليس دائما فشل الأنظمة فهو واضح، الخطر أشد عندما تعجز عن الاستغناء عن النظام، مع الوقت يستمر اعتماد المؤسسة على أنظمته، وتزيد الثقة، حتى تقتصر معرفة تفاصيله الفنية على عدد قليل من المتخصصين. هنا يصبح الأمر أصعب، ويستمر كذلك طالما أننا نختار الطريق الأسهل.
لا تعمل المؤسسات الحديثة على القوانين والميزانيات فقط، لكن على مسار الأعمال أيضا. وما إن تتشكل القرارات في صورة مسار عمل، يرتبط مفهوم السيادة بمستويات مختلفة، لكن أهمها امتلاك المعرفة بمسار العمل نفسه، عندها لا تقف السيادة عند المعلومات، بل عند حدود المعرفة المهارية، تلك المعرفة التي تستطيع إعادة الإنتاج بحيث تجيب بجدارة عن سؤالين: ماذا عمل وكيف؟.










































