اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ٢٥ أب ٢٠٢٦
لم يعد الذكاء الاصطناعي يقتصر على حل المسائل الرياضية التي يضعها البشر أمامه، بل بدأ يقترب من مرحلة أكثر إثارة، تتمثل في إنتاج نتائج واكتشافات رياضية جديدة، ما يفتح الباب أمام تحول جذري في أحد أقدم العلوم.
وفي هذا السياق، اجتمع نحو 40 من أبرز علماء الرياضيات في مكاتب شركة OpenAI بمدينة سان فرانسيسكو، لمناقشة مستقبل تخصصهم في ظل التطور المتسارع لنماذج الذكاء الاصطناعي وقدرتها المتزايدة على التعامل مع مسائل بحثية معقدة.
وبحسب تقرير لـ«واشنطن بوست»، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الآلات ستساعد علماء الرياضيات، بل إلى أي مدى يمكن أن تصبح قادرة على إنتاج أبحاث ونتائج جديدة بشكل مستقل.
من «نهاية الرياضيات» إلى شراكة جديدة
خلال الاجتماع، حذر عالم الرياضيات دانيال ليت من سيناريو قد تصبح فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج أبحاث متقدمة بكميات هائلة، بما يقلل الحاجة إلى الخبراء البشريين.
لكن المخاوف لا تتعلق بالوظائف وحدها، إذ يخشى باحثون من أن يؤدي الاعتماد المتزايد على الآلات إلى تراجع الفهم البشري للرياضيات نفسها.
وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على قدرة الذكاء الاصطناعي على الوصول إلى نتائج جديدة. ففي مايو، أعلنت OpenAI عن نتيجة رياضية مهمة أنتجها أحد نماذجها، تمثلت في تقديم مثال مضاد لـ«حدسية مسافة الوحدة»، باستخدام تقنيات متقدمة من نظرية الأعداد الجبرية.
كما ظهرت نتائج أخرى في مجالات رياضية معقدة، تمكن باحثون بشريون لاحقاً من البناء عليها وتبسيطها، ما يشير إلى إمكانية نشوء نموذج جديد من التعاون بين الإنسان والآلة.
المشكلة ليست في الحل.. بل في فهمه
يرى علماء الرياضيات أن الوصول إلى نتيجة صحيحة لا يكفي، فالبرهان الرياضي يكتسب قيمته من فهمه والقدرة على استخدامه وتطويره.
وتشير عالمة الرياضيات بريانا كرا إلى أن الرياضيات تقوم على فهم النتائج، وليس مجرد إثبات صحتها. كما لاحظت الباحثة في جامعة هارفارد ميلاني ماتشيت وود أن النماذج المتقدمة قد تنتج أحياناً حججاً معقدة، لكنها لا تشرحها بالأسلوب الذي يتوقعه الباحثون.
وهنا يظهر سؤال جوهري: ماذا يحدث إذا قدم الذكاء الاصطناعي برهاناً صحيحاً، لكن البشر لم يتمكنوا من فهمه؟
الذكاء الاصطناعي يختصر سنوات من البحث
تقليدياً، يتطلب الوصول إلى اكتشاف رياضي جديد سنوات من التعاون والنقاشات والمراجعة العلمية. لكن أدوات الذكاء الاصطناعي بدأت تختصر أجزاء من هذه الرحلة.
فقد استخدم باحثون نماذج مثل Claude وChatGPT للمساعدة في الوصول إلى نتائج جديدة، أو البحث عن أمثلة مضادة لفرضيات قائمة. كما جرى اختبار نماذج متقدمة على مسائل شهيرة، بينها فرضية ريمان، إحدى أبرز المسائل المفتوحة في الرياضيات.
ورغم عدم تمكن الذكاء الاصطناعي من حل فرضية ريمان، فقد نجح في الوصول إلى نتائج جديدة مرتبطة بمسائل أخرى.
3 آلاف عالم يحذرون
أثار هذا التسارع مخاوف داخل المجتمع الرياضي، إذ وقع أكثر من 3 آلاف عالم في يونيو على «إعلان لايدن»، الذي يدعو إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، مع ضرورة التحقق من النتائج وتوثيقها قبل اعتمادها.
ويتمثل أحد أكبر المخاطر في إمكانية إنتاج الآلات أعداد ضخمة من النتائج التي تبدو صحيحة، بينما يصعب على الباحثين التحقق منها جميعاً.
الإنسان أم الآلة؟
ورغم المخاوف، يرى بعض الباحثين أن المستقبل قد لا يكون صراعاً بين الإنسان والآلة، بل شراكة غير مسبوقة.
ويعتقد باحثون في OpenAI أن الذكاء الاصطناعي قد يسمح لمئات العلماء بالعمل على مشكلات كانت تتطلب سابقاً موارد ووقتاً هائلين، فيما قد يتحول دور عالم الرياضيات تدريجياً إلى تقييم نتائج الآلة والتحقق منها واختيار الأفكار التي تستحق البناء عليها.
وبذلك، قد لا تكون المسألة في أن تحل الآلة محل عالم الرياضيات، بل في أن يتغير دوره جذرياً. ويبقى السؤال الأهم: إذا أصبحت الآلة قادرة على إنتاج اكتشافات رياضية، فهل سيظل الإنسان هو من يصنع المعرفة، أم سيصبح مجرد من يتحقق منها؟










































