اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٨ أيار ٢٠٢٦
محمد بن مساعد العصيمي
يُحكى عن رجل أعمال ياباني سُئل عن سر ثرائه المبكر، فأجاب بمثال “زجاجة الماء”: سعرها دولار واحد في المتجر، ودولاران في مطعم فاخر، وأربعة دولارات في الفندق، وخمسة دولارات في المطار، وتصبح مرتفعة جداً في صحراء عطشى حتى بكل دولاراتك. الفكرة الأصلية مرتبطة بالعرض والطلب، لكنها توضح قاعدة عملية: السعر يتغير حسب المكان والظرف، أما القيمة الحقيقية فتظهر في الحاجة الفعلية أو الإضافة التي يقدمها الإنسان، وليس بما يُكتب في السيرة الذاتية أو المكان الذي يتواجد فيه.
المشكلة تظهر عندما يُخلط بين “السعر” و“القيمة”. مكان العمل قد يرفع من “أهميتك” مؤقتاً، لكنه لا يصنع قيمة فعلية إذا لم تكن لديك مهارة حقيقية أو أثر ملموس. البيئة تكشف إمكانياتك وتضخم أثرها، لكنها لا تصنع مهارة جديدة ولا تعوّض نقص التخصص أو الخبرة.
الماس لم يظهر إلا بعد الضغط والتشكّل؛ وهكذا المهارة الحقيقية تنضج عبر التجربة، والتحديات المستمرة، والعمل الدقيق، والمتكرر. تغيير المكان لا يُعيد تشكيل جوهرك ما لم يرافقه تطوير حقيقي. في بيئة العمل، ظهورك يشبه مجهر يكشف الجودة كما يُبرز المرض.
في سوق العمل، ترتفع قيمة الشخص عندما تكون نتائجه واضحة، ويصبح استبداله صعب أو مكلف. كل مهارة متاحة بسهولة أو يمكن تعلمها بسرعة تبقى ضمن دائرة “الوفرة”. أما التخصصات العميقة، والخبرة المتراكمة، والقدرة على حل المشكلات المعقدة، فهي ما يجعل صاحبها قريباً من “الضرورة”.
الانتقال المستمر بين الوظائف بحثاً عن التقدير يمنح شعوراً مؤقتاً بالراحة، لكنه لا يغيّر الأساس الذي تُبنى عليه القيمة. بعض بيئات العمل تُدار بعدالة جزئية، وقد تتأثر بالعلاقات الشخصية أو التكتلات و(الشللية)، وهذا واقع موجود. في المقابل، يبقى تطوير المهارة وبناء تخصص نادر هو الرصيد الأكثر استقرار على المدى الطويل.
عندما يتعمق الشخص في تخصصه، ويحسن أداءه باستمرار، ويجمع سجل ملموس من النتائج وخبرة متجددة تواكب المستجدات وتستفيد من التجارب السابقة، يتحوّل من كونه خيار متاح وتخصصه شائع إلى إضافة نادرة يصعب تعويضها. عندها يصبح التقدير انعكاس طبيعي للقيمة التي يقدمها، وأثراً مباشراً لما يتركه من أثر مهني واضح، ويصبح اختيار المكان قراراً نابعاً من قوة حقيقية لا من بحث عن اعتراف.
ويبقى السؤال الأهم: لو غادرت عملك غداً، ماذا سيتغير فعلاً؟ هل ستتأثر النتائج؟ هل سيتعطل عمل اعتدت قيادته؟ أم سيستمر العمل بالأسلوب نفسه دون فرق يُذكر؟
الفرق بين “السعر” و“القيمة” لا يصنعه المكان وحده، بل يُحدده مستوى الإتقان، وعمق المهارة، وحجم الأثر الذي يتركه الإنسان في عمله، مهما بدا بسيط.










































