اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٠ أذار ٢٠٢٦
فهد الأحمري
يخطئ من يظن أن الصراعات الإقليمية الراهنة مجرد حوادث عابرة؛ فما نشهده اليوم هو لحظة كاشفة تعيد ترتيب أوراق المنطقة، وتضع الجميع أمام حقيقة ساطعة في فقد النظام الإيراني بوصلة الصداقة، وبات يغرق في مستنقع عزلته الخاص بعد أن استعدى الجيران، وغدر بالأقربين، واتخذ من الفوضى عقيدة سياسية.
تبدأ القصة بافتعال قدحت شرارته عصابة الاحتلال الإسرائيلي، وهي حقيقة صلبة لا ينبغي أن تغيب عن الوعي مهما كانت حدة الأحداث.. وفي خضم هذا التصعيد، اتخذت دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، موقفا استراتيجيا متسقا مع مبادئ حسن الجوار؛ إذ سعت بكل ثقلها الدبلوماسي لرفض التلويح بالاعتداء على إيران ابتداءً، ورفضت -بشكل قاطع- استخدام أراضيها أو أجوائها كمنصات انطلاق لأي عمل عسكري ضد الجار الإيراني، إيمانا بأن استقرار المنطقة لا يتحقق بالانجرار خلف أجندات خارجية، بل بالحفاظ على السيادة الإقليمية.. ومع ذلك، جاء الرد الإيراني مخيبا لكل التوقعات، وممثلا لنموذج الشر المطلق باستهدافه لدول جارة كانت تجتهد لمنع الحرب وتمد يد العون.
لقد خبرنا لؤم الاحتلال في غزة ولبنان، لكننا اليوم نرى لؤم الحرس الثوري وهو يمتد نحو دول الخليج، ليؤكد أن معاداة إسرائيل ليست صكا يبيح الممارسات البغيضة ضد شعوبنا، فكل من ينتهك أمن دولنا ويولغ في دمائها هو عدو، ومن يدافع عنه تحت حجج أيديولوجية مضللة فهو شريك في هذا الضلال.
لقد كشفت هذه التصرفات الإجرامية عن نظام مشبع بقومية إقصائية متطرفة، يتستر بالخطاب الديني الثوري لتحقيق تفوق إقليمي قائم على تقويض استقرار الجيران؛ ولا أدل على تهافت هذا الخطاب من سجله الدموي في العراق وسورية واليمن، وصولا إلى استهداف المدنيين في الخليج.
في المقابل، وقفت دول الخليج موقفا راسخا في رفض الحرب والسعي للدبلوماسية، واليوم، تبدو إدارة الحرب في طهران رهينة للحرس الثوري الذي يحتكر القرار السيادي، مما يضع دول الخليج أمام ضرورة وجودية؛ فامتناعنا عن دخول الحرب هو خيار حكمة وسلام، لا يعني العجز.
لقد آن الأوان لترسيخ «موازنة ردع خليجية'» وتفعيل تكتل كونفيدرالي يرفع التعاون العسكري إلى مستويات قصوى، فالطريق يبدأ من تمكين المواطن خليجيا، وتوطين الصناعات العسكرية والاستخباراتية؛ فنحن لا نحتاج إلى المزيد من الوعود، بل إلى عمل جاد يجعل من الإرادة الخليجية المشتركة رقما صعبا لا يمكن تجاوزه، فسلامة الخليج وأمنه هما الغاية التي لا تعلو عليها غاية.










































