اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ أب ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
الخوارزمية لا تريد شراً، هي لا تريد أصلاً، هي تريد استمرارك في التمرير، لأن استمرارك هو وجودها، وتريد راحتك اللحظية لأن راحتك تعني بقاءك، وتريد أن تختصر عليك الطريق لأن الطريق الطويل قد يجعلك تفكر، والتفكير قد يجعلك تخرج من الحلقة، لكن الإنسان لا ينضج بالراحة وحدها، ولا يكبر بالتكرار، ولا يفهم نفسه بالانعكاس فقط..
إن الخوارزمية لم تعد مجرد معادلة باردة تسكن في سيرفر بعيد، بل أصبحت رفيقاً صامتاً يمشي إلى جوارنا كل يوم، يراقب أنفاسنا الرقمية، ويسجل خفقات قلوبنا التي لم نعلن عنها، ويحفظ الطريق الذي نسلكه حين نظن أننا وحدنا تماماً مع أنفسنا.
في الثالثة فجراً، تفتح هاتفك لا لتبحث عن شيء، بل لتهرب من كل شيء. في البداية كانت تخدمك، تقترح عليك أغنية تشبه مزاجك، وكتاباً يشبه سؤالك، وطريقاً أقصر إلى البيت، فشكرتها وسميتها ذكاءً.
ثم رويداً رويداً بدأت تسبقك بخطوة، فقبل أن تشعر بالجوع أرسلت لك إعلان المطعم، وقبل أن تحزن وضعت أمامك فيديو يضحك، وقبل أن تسأل عن معنى ألمك القديم قدمت لك محتوى يخدره، حتى وجدت نفسك تعيش حياة مصممة خصيصاً لك، مفصلة على مقاس وجعك وفرحك وخوفك، حياة لا تحتاج فيها أن تختار، لأن الاختيار نفسه قد تم اختياره نيابة عنك، وهنا يتم الاستلاب!
وهنا يكمن سرها الإنساني المرعب، أنها لا تكذب عليك، ولا تجبرك، ولا تصرخ في وجهك، هي فقط تتعلمك بهدوء بالغ، وبصبر لا تملكه أم، وبذاكرة لا يملكها صديق، فتتذكر أنك توقفت ثلاث ثوانٍ عند صورة البحر في نوفمبر الماضي، وأن صوت المطر يجعلك تنام، وأن كلمة خذلان تجعلك تمرر بسرعة، وأن أغنية بعينها تعيدك إلى شخص لم تعد تريد تذكره، فتبني لك عالماً من المرايا المكسرة، كل مرآة فيها أنت، والمرايا المكسرة حقيقة لابد أن تشوه الصورة بكل تأكيد جراء هذا الاستلاب! لكنها النسخة التي أحبتها البيانات.
إن أمك تعرفك من رائحة عرقك، ومن دمعة لم تنزل، ومن صمتك على مائدة العشاء، وتعرفك لأنها حملتك وحلمت بك قبل أن تولد، وحبها خطأ وصواب وحدس وغفران، أما الخوارزمية فتعرفك من بياناتك، من النقرات، من وقت التمرير، من نبض إصبعك على الشاشة، وتعرفك لأنها لا تنام ولا تنسى ولا تغفر ولا تحكم، هي فقط تحسب، وتعيد الحساب، حتى تصبح صورتك عندها أدق من صورتك عندك!
قد نندهش حين تقول لنا قد يعجبك هذا، ونجد أنفسنا نقول: نعم، هذا أنا بالضبط، دون أن نتذكر متى اعترفنا لها بذلك، والمفارقة الإنسانية هنا ليست في أن الآلة صارت أذكى، بل في أن الإنسان صار شفافاً جداً، حتى ظن أن الشفافية حرية، ونسي أن الحرية الحقيقية تبدأ من المنطقة المعتمة داخله، من الجزء الذي لا يفهمه حتى هو، من السؤال الذي لا إجابة جاهزة له، من الرغبة التي لم تقاس بعد، ولم تباع بعد.
الخوارزمية لا تريد شراً، هي لا تريد أصلاً، هي تريد استمرارك في التمرير، لأن استمرارك هو وجودها، وتريد راحتك اللحظية لأن راحتك تعني بقاءك، وتريد أن تختصر عليك الطريق لأن الطريق الطويل قد يجعلك تفكر، والتفكير قد يجعلك تخرج من الحلقة، لكن الإنسان لا ينضج بالراحة وحدها، ولا يكبر بالتكرار، ولا يفهم نفسه بالانعكاس فقط.
الإنسان يحتاج إلى الاحتكاك، إلى الغربة، إلى كتاب لا يشبهه، إلى رأي يوجعه، إلى صمت لا يملؤه إشعار، إلى طريق لم ترسمه له الخريطة، ولذلك فالسؤال ليس: هل الخوارزمية تعرفني أكثر من أمي؟ السؤال الإنساني الحقيقي هو: هل سأسمح لها أن تحبني نيابة عني؟ هل سأتركها تختار لي من أكون، حتى أنسى أن لي يداً تختار، وقلباً يشتهي ما لا يمكن التنبؤ به، وروحاً لا تقاس بالبيانات؟
ربما لن تهزمنا التكنولوجيا لأنها أقوى، بل لأننا سلمناها مفاتيح الملل، والوحدة، والبحث عن المعنى، وقلنا لها: دبرينا! وربما نجاتنا الوحيدة ستكون في أن نستعيد حقنا في أن نكون غير متوقعين، في أن نضغط على شيء لا نريده، في أن نقرأ ما لا يرشح لنا، في أن نجلس مع أنفسنا دون شاشة، ونسأل السؤال القديم الذي لا جواب له في أول عشرة نتائج: من أنا حين لا يراقبني أحد؟ فالخوارزمية قد تعرف ماذا ستشتري، وماذا ستشاهد، وماذا ستحزن عليه! لكنها لا تعرف لماذا تبكي وأنت تضحك، ولا لماذا تسامح من لا يستحق، ولا لماذا في لحظة ما تقرر أن تبدأ من جديد بلا سبب منطقي وبلا استلاب، وفي هذه المنطقة، المنطقة المجنونة غير القابلة للحساب، هي آخر ما تبقى لنا من إنسانيتنا؛ فلنحافظ عليها.










































