اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٢٥ أذار ٢٠٢٦
في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتشابك فيه الأزمات، لا يكمن الخطر في غياب المعلومة، بل في تدفقها العشوائي غير المنضبط. ومع كل أزمة يبرز مشهد متكرر: وجوه تملأ الشاشات، وأسماء تتصدر المنصات، لا لأنها تمتلك أدوات التحليل أو عمق المعرفة، بل لأنها تجيد الحضور وسرعة الانتشار. هؤلاء ليسوا مختصين، لكنهم يتحدثون بلغة قاطعة، ويقدمون تفسيرات جازمة، بينما يتراجع صوت الخبراء الذين يميلون إلى التريث، ولا يدّعون ما لا يعرفون.
هذه هي ظاهرة 'صانعو الضجيج'، الذين يمتطون موجات الأزمات لتصدر المشهد، ليصبحوا مرجعيات لجمهور يبحث عن التفسير السريع قبل الفهم الدقيق. ويزداد تأثيرهم مع منصات التواصل التي تكافئ التفاعل أكثر مما تكافئ الدقة، فتمنحهم تضخيماً وانتشاراً واسعاً.
وفي خضم هذه الفوضى، يتحول صاحب المنصة بين ليلة وضحاها إلى محلل عسكري، وخبير إستراتيجي ومفسر سياسي، لا لأنه يملك أدوات التحليل، بل لأنه يملك جمهوراً. وهنا يكمن الفخ: الجمهور في لحظات الأزمات يعطش للمعلومة، فلا يبحث عن التفاصيل المعقدة، بل عن إجابة تطمئنه وتبدد الغموض. في تلك اللحظة، يتسلل 'المتمصدرون' بروايات سريعة ومختصرة، يضيفون إليها لمستهم القائمة على الاجتزاء والتهويل وربط غير دقيق، ثم يبنون سردية كاملة على معلومات ناقصة.
ومع تكرار الظهور، يكتسبون ثقة الجمهور تدريجياً، لا لدقة كلامهم بل لحضورهم المستمر، فتتحول الكثرة إلى بديل زائف عن المصداقية، ويصبح المعيار عدد المتابعين لا عمق المعرفة. لكن الأثر يتجاوز التضليل؛ إذ يؤدي إلى تشويه الوعي وتقسيم الجمهور، فلا يعود قادراً على التمييز بين المؤكد والتحليل. والأخطر تآكل الثقة في المصادر المهنية، حيث يبدو الصوت المتزن ضعيفاً أمام الصوت الجازم.
فالمختص الحقيقي يتردد، يزن كلماته، ويعترف بحدود معرفته، بينما'المتمصدر' يقدم إجابات جاهزة، وهو ما يفضله الجمهور في لحظات القلق؛ لأن الخائف يريد يقيناً حتى لو كان وهماً. وهنا تتجلى المفارقة: لم يعد الأكثر معرفة هو الأكثر حضوراً، بل العكس. فالمختص يتحدث بلغة لا تناسب السرعة، بينما يملأ المتحدث باسم 'العلم' المزيف الفضاء الرقمي بثقة.
ويرتبط ذلك بآلية عمل المنصات التي لا تكافئ الدقة بل التفاعل، ولا تروّج للمحتوى المتأني بل السريع. فيصبح ناقل الخبر المبالغ أكثر انتشاراً من خبير يشرح الصورة بأبعادها. والمفارقة أن كثيراً من هؤلاء يبدأون بنية حسنة، لكنهم ينزلقون إلى فخ 'التصدر'، فيتحولون من ناقلين إلى صانعي رواية، وموجّهين للرأي العام.
ومع تصاعد الروايات المتضاربة، تتضح الحاجة إلى وعي أكبر. فالحل لا يقتصر على النقد، بل يبدأ من الجمهور: أن نسأل قبل أن نصدق، وأن نعرف من يتحدث وخلفيته، وهل يفرق بين الخبر والتحليل ويعترف بالخطأ، أم يمتلك فقط أدوات الحضور.
ختاماً، ليست المشكلة في تعدد الأصوات، بل في غياب المعايير. فالمجتمعات الصحية تحتمل الاختلاف، لكنها لا تحتمل الفوضى المعرفية. وفي زمن الأزمات، يصبح الوعي خط الدفاع الأول، ليس فقط ضد الأخبار الكاذبة، بل ضد من يبدون، وكأنهم يعرفون كل شيء، بينما ينقلون صورة مشوشة؛ فالصوت المتأني، مهما بدا هادئاً، هو الذي يبقينا على الطريق الصحيح.
alhijazmusleh@










































