اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ أب ٢٠٢٦
خالد بن علي المطرفي
من المهم ألا يُختزل نجاح البودكاست في عدد المشاهدات، بل أن يشمل معدل إكمال الحلقة، والاحتفاظ بالمستمع، وجودة التفاعل، وقدرة المحتوى على الإضافة إلى المعرفة أو تغيير الفهم والسلوك، كما يمكن للقنوات اعتماد مواسم محددة، ومراجعة مستقلة للمحتوى، وسياسات تحريرية توضح معايير الاستضافة والتصحيح والإفصاح..
لم ينشأ البودكاست ليكون نسخة مصورة من البرامج الحوارية، ولا منصة بديلة لكل من أراد الحديث طويلاً أمام الكاميرا، فقد ظهر في بداياته كصوت عند الطلب؛ محتوى يُنشر عبر الإنترنت، ويستطيع المستمع الاشتراك فيه وتنزيله والاستماع إليه في الوقت والمكان المناسبين له، واستُخدم مصطلح Podcast للمرة الأولى عام 2004، قبل أن تسهم آبل في نقله إلى الجمهور الواسع، عندما أدمجت الاشتراك والتنزيل التلقائي في iTunes عام 2005.
كانت الفكرة الأصلية تحرير الصوت من جدول البث، وتحرير المستمع من سلطة الموعد والمكان. ومن هنا جاء تميز البودكاست، الجامع بين حميمية الراديو، وعمق الحوار، ومرونة الوسائط الرقمية. ثم أضيفت إليه الصورة لاحقاً، فأصبح عالماً هجيناً يمزج الصوت بالصورة والسرد والابتكار، لكن هذه المرونة نفسها تحولت، في كثير من التجارب المعاصرة، إلى ذريعة لغياب المعايير.
المشكلة ليست في كثرة برامج البودكاست؛ فتوسع المجال أتاح أصواتاً وتجارب لم تكن تجد طريقها إلى الإعلام التقليدي، وإنما تكمن المشكلة في الخلط بين حق الوصول إلى الميكروفون واستحقاق التأثير في الجمهور، فمن حق الجميع أن يتحدثوا، لكن ليس كل حديث منتجاً معرفياً، وليس كل مشهور خبيراً، ولا كل حوار طويل عميقاً.
لقد دفعت سهولة الإنتاج، وشهية المنصات للمقاطع المثيرة، والمنافسة على المشاهدات، بعض القنوات والأفراد إلى إطلاق برامج بلا هوية تحريرية أو حاجة واضحة لدى الجمهور، وأصبح الضيف يُختار أحياناً بقدرته على إثارة الجدل، لا بما يحمله من معرفة أو تجربة؛ فيما يتراجع دور المقدم من محاور يستعد ويفحص ويعترض، إلى متلق منبهر أو صانع مقتطفات قابلة للتداول.
وهكذا تحولت بعض البرامج إلى ساعات من الاسترسال، تتجاور فيها المعلومة الدقيقة مع الرأي الشخصي والادعاء غير الموثق، من دون تمييز بينها. ولا يقتصر الخطر هنا على رداءة المحتوى، وإنما يمتد إلى منح السطحية هيئة العمق؛ فطول الحلقة، وفخامة الاستوديو، ونبرة الحديث الواثقة، قد تصنع سلطة زائفة تجعل الجمهور يتلقى الرأي كما لو كان حقيقة.
والمدة الطويلة ليست فضيلة في ذاتها؛ إذ تبدأ التجارب المهنية من احتياج المستمع، ثم تختار الشكل والزمن المناسبين، لذلك نجد نشرات صوتية موجزة لا تتجاوز عشر دقائق، وبرامج تفسيرية في حدود عشرين أو ثلاثين دقيقة، وسلاسل وثائقية أطول تبرر كل دقيقة فيها.
وأظهر تحليل لمعهد رويترز أن برامج يومية ناجحة، مثل النشرة الصوتية لصحيفة فايننشال تايمز، تبنت مدة قصيرة ومتوقعة؛ لأنها تنسجم مع روتين جمهورها الصباحي.
إصلاح المشهد لا يتطلب وصاية على المحتوى، وإنما استعادة المسؤولية التحريرية، ويبدأ ذلك بالإجابة عن خمسة أسئلة قبل إطلاق أي برنامج: من الجمهور؟ ما حاجته؟ ما القيمة التي لن يجدها في مكان آخر؟ لماذا هذا الضيف؟ ومتى يجب أن ينتهي البرنامج؟ ثم تأتي معايير اختيار الضيوف، والبحث المسبق، وتدقيق المعلومات، والتمييز الواضح بين الخبرة والرأي، وبناء الحلقة حول أطروحة وأسئلة، لا حول شهرة الضيف أو عدد الساعات.
ومن المهم ألا يُختزل نجاح البودكاست في عدد المشاهدات، بل أن يشمل معدل إكمال الحلقة، والاحتفاظ بالمستمع، وجودة التفاعل، وقدرة المحتوى على الإضافة إلى المعرفة أو تغيير الفهم والسلوك، كما يمكن للقنوات اعتماد مواسم محددة، ومراجعة مستقلة للمحتوى، وسياسات تحريرية توضح معايير الاستضافة والتصحيح والإفصاح.
البودكاست ليس مطالباً أن يكون درساً ثقيلاً أو منبراً وعظياً؛ فمن حقه أن يرفّه ويقص الحكايات ويستكشف الحياة، لكنه مطالب أن يعرف لماذا وُجد، ولمن يتحدث، وما الذي يضيفه. فعندما يصبح الميكروفون غاية لا وسيلة، لا نكون أمام ازدهار في المحتوى، بل أمام تضخم في الكلام. دمتم بخير










































